أخبار

أخيراً: الإسلام جزءٌ من الهوية الأوربية

الدكتور إلياس بلكا

 

تعني العولمة –من جملة ما تعنيه- انمحاء الحدود بين الدول والشعوب والقارات.. لذلك يوجد في العالم أكثر من 200 مليون مهاجر بحسب تقديرات الأمم المتحدة. ورغم أن جائحة كورونا أعادت تذكير الناس بأن استمرار نموذج الدولة الوطنية الحريصة على حدودها مستمر وقويّ، إلاّ أن العالم لا يمكن أن يرجع إلى الحمائية المغلقة التي عرفها في القرن التاسع عشر والنصف الأول للقرن العشرين.

توجد في أوربا الشرقية مثلا ثلاث دول مسلمة، يشكّل المسلمون أكثرية بها، وهي: “البوسنة والهرسك” وكوسوفو وألبانيا، كما توجد أقليات مهمة بمقدونيا وبلغاريا. فهؤلاء أوربيون أصليون دخلوا الإسلام منذ قرون إبّان الوجود العثماني بشرق أوربا. إضافة إلى ملايين المسلمين الذين هاجروا إلى أوربا واستقروا بها وولدوا بها وتعلّموا لغاتها، بل واكتسبوا أيضا جنسياتها.

 

ورغم أن عدد المسلمين بأوربا غير معروف على وجه الدقّة، إلا أن بعض مراكز البحوث المحترمة تقدّر عدد المسلمين من أصول مهاجرة بحوالي 25 مليون إنسان بالاتحاد الأوربي، وإذا أضفنا إليهم الأوربيين المسلمين أصحاب الأرض، كالألبان مثلا، يكون العدد في حدود 35 مليون. فإن أضفنا إليهم مسلمي القسم الأوربي من دولتيْ روسيا وتركيا فإن العدد يتجاوز 53 مليون مسلم.

ويرى خبراء مركز “بيو” الأميركي للأبحاث أن عدد المسلمين بأوربا سيتراوح في أفق سنة 2050 ما بين 8 % إلى 14 % من مجموع سكان القارة، وفق ثلاث سيناريوهات بحسب عوامل متعدّدة على رأسها نوع سياسة الهجرة التي ستتّخذها الدول الأوربية. وهذه نسب مهمة، وإن كانت الشعوب الغربية تميل عموما إلى تضخيم عدد المسلمين بينهم، فقد كشف معهد “إبسوس موري” أن الأستراليين أجابوا بأن نسبة المسلمين في بلادهم تصل إلى 12.5 %، في حين أن النسبة الحقيقية هي 2.4 %. والفرنسيون هم الأكثر مبالغة في هذا الموضوع، إذ يظنون أن نسبة المسلمين في فرنسا تصل إلى 31 %، بينما هي حوالي 9 %.

 

إنه من الواضح أن الإسلام أصبح جزءاً حقيقيا من الواقع الأوربي، وعمّا قريب سيكون جزء من التاريخ الأوربي الذاتي. لذلك يجب أن نفكر كيف نجعل من هذا الوجود الإسلامي -خاصة الطارئ- وجودا نافعا ومفيدا لكلٍّ من المسلمين الأوربيين والبلدان الأوربية، عوض أن ننجرّ مع دعاوى اليمين المتطرّف الذي قد يمهّد لنازية أو فاشية جديدة بأوربا. وما أحداث الهجوم على الكونغرس الأمريكي منذ شهور قليلة إلاّ جرس إنذار علىقدرة هذا اليمين على تدمير المجتمعات الغربية من الداخل.

يمكن لأوربا أن تستفيد من هذا الوجود الإسلامي تنوّعا في تركيبتها السكانية وغنىً ثقافيا وحضاريا، كما يمكن أن يأتي المسلمون بأفكار جديدة، وبأنماط من الحياة جديدة: بدايةً من القيم الإنسانية والروحانية.. وانتهاء بأمور الطبخ والملبس والفولكلور.

توجد كثير من العقول والكفاءات التي تخدم أوربا. ألم يكن باحثون مسلمون من تركيا والمغرب وتونس وإفريقيا أصحاب مشاركة حاسمة ورئيسة في اكتشاف لقاح كورونا؟

إن المجتمعات الأوربية الحديثة والتي تهدّدها النمطية والتأحيد حيث جميع الناس يفكرون ويعيشون بالطريقة نفسها.. هذه المجتمعات تحتاج لا نقول إلى تبنّي بل على الأقل إلى الاطلاع على أنساق مختلفة في الحياة والاعتقاد. وهذا تنوّع وغنى وثروة للمجتمعات الأوربية.

وتقول الدراسات المختصة إن أهمية العالم العربي ثابتة بالمستقبل، ليس فقط بسبب النفط والثروات الطبيعية، بل أيضا بسبب الموقع الجغرافي والثقل السكاني والإمكانات الاقتصادية… لذلك يمكن للمسلمين الأوربيين القيام بأدوار الوساطة الحضارية والترجمة في كل شيء. أي يكونون جسورا تصل بين هذين العالمين الغنيّين والكبيرين: أوربا والعالم العربي-الإسلامي، والذيْن حكمتْ عليهما الجغرافيا بحسن الجوار وبضرورة التعايش شاءوا أم أبوا، كما جمعهم تاريخ واحد منذ أربعة عشر قرنا..

 

 

 

يحتاج العالم اليوم إلى رسل المحبة والسلام، إلى إطفائيين يطفؤون نيران الأحقاد والصراعات التي تفتك بالبشرية. وقديما شارك النبي عليه الصلاةوالسلام في حلف الفضول مع مشركي قريش، وهو حلف اتفق فيه العرب على إقامة العدل والدفاع عن المظلوم، وكانقبل الإسلام. إن العالم بحاجة إلى حلف جديد وعقد جديد.

لابد أن نؤسس لا لصراع الحضارات –كما يقول هنتنغتون وغيره- بل لحوار الحضارات. لكن من أجل هذا الحوار لابد أوّلاً من التعارف بين الحضارات: يجب أن نتعرّف على بعضنا البعض وأن نفهم بعضنا البعض ونقبل بعضنا البعض. لقد جاء في القرآن الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْشُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.﴾

إن الجهل عامل خطير في تسميم العلاقات بين الشعوب، فالجهل هو أصل الأفكار الجاهزة والمشاعر الخاطئة، وهو أصل الخوف والحذر المتبادلين. لابد أن نكسر حواجز الخوف والجهل وأن ينفتح بعضنا على بعض.

وفي عالم شديد التنوع والمجاورة لابد أن نتعلّم التسامح والتعايش. لقد وصف القرآن نبينا عليه السلام فقال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم.﴾ ووصفه بالصبر على الناس والرحمة بهم وحب الخير لهم. وقد مرّت جنازة رجل من يهود المدينة، فرآها الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان جالسا فقام ووقف لها حتى مرّت. وتعجّب الصحابة، وقالوا له إنها جنازة رجل يهودي، لكن النبي العظيم قال لهم: أَوَ ليست نفْساً؟

والإنسان في الإسلام مكرّم على كلّ حال: ﴿ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا.﴾ لأنه خلْق إلهي، ولذلك فهو كريم، له كرامته الآدمية بغضّ النظر عن لونه أو جنسه أو اعتقاده.

إن التنوع قانون كوني، فالبارئ خلق الكون من إنسان ونبات وحيوان وجماد… وجعله متنوعا مختلفا. لذلك لا يوجد “نسخ طبق الأصل” في خلق الله، بل هناك تعدّدية في الخلق: “كلكم لآدم وآدم من تراب.” وهناك تعدّدية في اللغة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ.﴾ وهناك التعددية في الدين: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.﴾ وهناك تعدّدية في الحضارة والثقافة: لهذا اعترف الإسلام  بأعراف الشعوب وتقاليدها، فهو لم يقض عليها، وإنما هذّبها ونزع ما فيه شرك فقط.

إن اختلاف الناس في ألوانهم وأعرافهم وأجناسهم ودياناتهم وأفكارهم.. أمر أراده الله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ.﴾ لذلك لا يوجد في الإسلام إكراه: ﴿لا إكراه في الدين.﴾

لكن شرط هذا كله هو الاحترام المتبادل، فعلى أوربا أن تحترم مواطنيها المسلمين وتثق فيهم، ولا تحاول فرض رؤيتها الخاصة في شؤون الأديان والاعتقاد عليهم. وليس من المعقول أن يكون هؤلاء المسلمين محطّ اتّهام دائما بالإرهاب والتشدّد بسبب سلوكات فردية توجد بجميع الثقافات والديانات.. كما ليس من المعقول أن تتدخّل الدول فيما هو من صميم الثقافة الدينية للمسلمين لكي تعدّلها وفق ما تريد. إن نظرية تذويب المسلمين تماما فيالنسيج الأوربي لن تنجح، بل لن تزيد أوضاع الجميع إلاّ سوءاً.

كذلك على مسلمي أوربا عزل العناصر المتطرّفة من بينهم، وتحقيق الاندماج المتوازن في مجتمعاتهم، وذلك بالجمع بين احترام قانون الأكثرية ونظامها من جهة، والحفاظ على الهوية الدينية والثقافية الخاصة بهم من جهة أخرى. لذلك على مسلمي أوربا الاعتناء بتعليم أبنائهم تعليما راقيا وعاليا.

وتأتي الخطورة على مستقبل العلاقة بين أوربا ومسلميها من طرفين: الأول هو اليمين القومي المتطرف الذي ينمو بأوربا، لذلك يحاول بعض السياسيين استغلاله بالمزايدة عليه، فيصبون الزيت على النار، بينما السياسي هو الذي يجمع وليس يفرّق. والثاني هو الجماعات المسلمة المتطرفة التي ترى في أوربا عدوّا، خاصة ما يسمى بـ”السلفية الجهادية.” لكن والحقّ يقال يبقى زمام المبادرة لتحقيق أنجح اندماج للمسلمين بأوربا إنما هو بيد الأوربيين أنفسهم، لأنهم أصحاب الأرض وأصحاب السلطة والدولة وأهل القرار. فهم الطرف الأقوى في المعادلة. والله تعالى أعلم.

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *