أخبار

التركيبة السكانية للمجتمع الأندلسي

 

الدكتور إلياس بلكا 

مقدمة:

يتفق الباحثون على فرادة التجربة الأندلسية في التاريخ، إذ انصهرت مجموعات بشرية متنوعة، ويعادي بعضها بعضا في الأصل، في مجتمع واحد استطاع أن يتعايش بل أن يتعاون على تأسيس حضارة حقيقية في مختلف المجالات العلمية والعمرانية والاقتصادية والفنية.. وقسم كبير من هذا المجتمع مهاجر من بلدان وقارات أخرى.

وهذا المقال واللذان بعده يتناولان مكونات المجتمع الأندلسي وكيف تفاعلت فيما بينها، ما بين تعاون وصراع، وما هو الدرس المستفاد اليوم، خاصة بالنسبة لأوربا التي تعرف بدورها غنى بشريا كبيرا على جميع المستويات العرقية والقومية واللغوية والدينية، وحيث يشكل المسلمون المقيمون بهذه القارة إحدى أكبر هذه المجموعات وأكثرها تميّزا ممّا يطرح على المؤسسات والشعوب الأوربية تحدّيا حقيقيا لمدى إمكانية استيعابهم وتقبّلهم.

ونعني بالأندلس هنا: إسبانيا المسلمة، سواء توسعتْ رقعتها الجغرافية كما في عهدي الإمارة والخلافة الأموية، أم تقلصت كما وقع بعد سقوط طليطلة خاصة.. إلى عصر بني الأحمر بغرناطة. ويقسم جمهرة الباحثين سكان البلد نوعين من التقسيم: عرقي وديني.

أولا-التقسيم “العرقي” للمجتمع الأندلسي:

1-السكان الذين كانوا بالجزيرة الإيبيرية عند فتحها في سنة 92 للهجرة، وقد عدَلنا بهذه الكلمة عن لفظة السكان الأصليين، لأنه من الصعوبة بمكان أن نتحدث عن سكان أصليين بالمنطقة لأنها تعرّضت لهجرات كثيرة وفي مختلف الاتجاهات منذ ما قبل التاريخ، لذلك يوجد نقاش واسع بين علماء الإناسة وما قبل التاريخ حول مفهوم “الشعوب الأصلية.” وأكثر توجهات هؤلاء تنفي دقة هذا المفهوم الذي يكاد يكون اليوم بلا معنى. إذن حين جاء المسلمون إلى الجزيرة كان بها أقوام كثيرون من أهمهم: القوط، والرومان، والآلان، والسويف.. لذلك يسميهم الدارسون بــــ”العنصر الإسباني” عموما، وقديما كانوا يسمون بــ”عجم الأندلس.”

2-العرب: وأولهم البلديون، وهم الفاتحون الذين كانوا في جيوش موسى بن نصير وطارق بن زياد، والحملات المتتابعة في نهاية القرن الأول وبداية الثاني. ثم جاءت هجرات متتابعة من الشرق، خاصة من الشام، على دفعات متعددة من أهمها ما يسمى بــ”طالعة بلج.”

وقد عانت الأندلس في البداية من اختلاف العرب أنفسهم، حيث انقسموا إلى مضرية ويمانية وقيسية. ويعود قسم من هذا النزاع إلى الشرق أيام الخلافة الأموية والتي بدورها عانت من الخلاف العربي-العربي، حتى ذهبتْ –إلى حدّ ما- ضحية له. وهذا يدلّ على خصيصة بشرية مهمة، وهي قدرة المجتمعات والجماعات على نقل الخلافات فيما بينها إلى خارج حدودها بل غير زمانها.

3-البربر أو الأمازيغ: بقسميهم المشهورين: البتر والبرانس. وأهم قبائلهم بالأندلس: زناتة وصنهاجة ومصمودة. وكان الأمازيغ يشكلون معظم الجيش الذي غزا الجزيرة، فاستقروا بها، والتحق بهم أمازيغ المغرب الأقصى خصوصا، وكان ذلك على شكل هجرات متلاحقة، لكن بغير أعداد ضخمة. إنما يمكن القول إن تيار الهجرة الأمازيغي هو الوحيد الذي يظل يلج الأندلس معظم الوقت، بثبات واستمرار.

ويوجد عامل مهم دفع بالبربر إلى مشاركة العرب في فتح الأندلس بحماسة كبيرة، وهو أنه ترسّخ في وعي ولاَوعي الأمازيغ من بلاد برقة إلى شواطئ الأطلسي أن الخطر الخارجي عليهم يأتي دائما من الشمال، أي من أوربا. وكذلك كان، لأن الرومان ثم الوندال والبيزنطيين استعمروا شمال إفريقيا لمدة خمسة قرون استعمارا لم تستفد منه البلاد شيئا، على عكس ذلك لاحظ العروي أن الرومان أوقفوا نمو منطقة شمال إفريقيا وتشكّل شخصيتها الحضارية الخاصة، خصوصا بعد تدمير قرطاجنة.

والحقيقة أن الأمازيغ اختلفوا كما اختلف العرب، فكانت بينهم خصومات، أو بالأحرى تنافس على القيادة والسلطة والثروة.

4-المولدون: كان أكثر من دخل الأندلس من العرب والأمازيغ عزاب، أو تركوا زوجاتهم بمناطقهم الأصلية، لذلك حين استقروا بالأندلس تزوجوا من النساء الإسبانيات، ونتج عن ذلك جيل يسمى بــ”المولدين.” فهم من آباء مسلمين ومن أمهات مسيحيات أو يهوديات، أو أسلمن فيمن أسلم من ساكنة البلاد. وكان من مراكزهم الكبيرة مدينة طليطلة وما جاورها وسرقسطة وقرطبة، ومن أشهر أسرهم بنو موسى وبنو حفصون.

وقد قام المولدون بدور كبير في التقريب بين الحضارتين لازدواج أصولهم وتمكنهم في الغالب من اللغتين: العربية واللهجة الإسبانية أو اللغة الرومانثية الغالبة.

ويظهر أن جيل المولدين هو الأكثر سكانا بين مكونات الأندلس على الإطلاق، خاصة في القرون الأولى قبل أن ينصهر الجميع تقريبا في الهوية الأندلسية الجامعة.

5-الصقالبة:

توجد اختلافات غير ذات أهمية بين المؤرخين عن أصل الصقالبة، والحاصل أنهم العبيد الذين كان يستقدمهم التجار من بلاد أوربا الشرقية وما وراءها إلى حدود روسيا، لذلك فنسبة كبيرة منهم سلافيون. وقد احتل الصقالبة كثيرا من المناصب الإدارية للدولة كإمارة المدن والجيش والشرطة… لذلك تعاظم تأثيرهم السياسي حتى وصل إلى تأسيس ممالك مستقلة يرأسونها بأنفسهم خاصة بشرق الأندلس. وساعد على هذا أن الصقالبة مسلمون.

والجدير بالذكر أنه توجد أقليات أخرى من الفرس والهنود والزنوج والنورمان (أي الفايكنج.)

ثانيا-التنوع الديني للمجتمع الأندلسي:

1-المسلمون: وهم في البداية العرب والبربر الفاتحون أو المهاجرون.

2-المسالِمة: وهي تسمية الذين أسلموا من أهل البلاد، وكان لسياسة الفاتحين ومرونتها وإنسانيتها أثر كبير في تحوّل قسم كبير جدا من السكان إلى الدين الجديد.

3-النصارى: وهم أهل الذمة، أي الذين بقوا على نصرانيتهم. وقسم من هؤلاء تعلّم اللغة العربية واندمج في ثقافتها، لذلك يُطلق عليهم اسم: المستعربون، لكن أعدادهم كانت تتقلص شيئا فشيئا بإسلامهم.

4-اليهود: تركز الوجود اليهودي في الأندلس في غرناطة، وكان لهم دورهم الكبير في الحياة الاقتصادية والعلمية للبلاد، بل أسهموا أحيانا في القلاقل السياسية التي حدثت بين المسلمين كمشاركتهم عام 557 هــــ في الانقلاب على سعد بن عبد المؤمن الموحدي، كما عملوا في بلاطات بعض ملوك الطوائف. ويُسجل التاريخ أنه لم يكن ليهود إسبانيا دور يُذكر قبل الفتح.

ثالثا-كيف كانت صلات هذه العناصر بعضها مع بعض؟

تأرجحت هذه الصلات بين المعايشة والنزاع، وإن كان حظ التساكن أكبر وأكثر زمنا:

1-الاندماج أو التعايش:

أي بالجوار والمشاركة في الحياة اليومية. لكن العامل الأهم هو الاختلاط بالزواج، لأثره السريع والثابت في تقوية آواصر المجتمع الأندلسي، رأينا أبرز مثال لذلك في طائفة المولدين. والتساكن عامل آخر، فقد ضمّت مدن الأندلس وحواضرها هذه الفئات جميعا، فعاشوا داخل الأسوار نفسها، وباعوا واشتروا من الأسواق نفسها، وتعاملوا فيما بينهم في أنواع التجارة والزراعة والصناعة والفنون والحرف.

وكانت الموالاة من أسباب التحالف بين العرب وبعض مسلمي إسبانيا الذين يُعتبرون لذلك من الموالي، كبني قسي وبني غومس وبني مرتين…

كما ساهم المولدون والمستعربون في هذا الاندماج “الوطني”، بحكم أصولهم الإسبانية من حيث الدم والثقافة مع تشبعهم بالثقافة العربية.

2-النزاع والصراع:

يمكن اعتبار التنافس على السلطة والسيادة والثروات هو السبب الأول للنزاعات الأهلية الأندلسية. وقد ثار المولدون بقرطبة فيما يعرف بثورة الربض لمطالب اجتماعية واقتصادية أساسا.

ولعل أكثر فترة شهدت النزاعات الأهلية هي عصر ملوك الطوائف، فقد ظهرت دويلات متعددة يتجاوز عددها العشرين، فكان بنو عباد في إشبيلية، وهم عرب لخميون،  وبنو هود في سرقسطة، وهم عرب قحطانيون. كذلك أسّس بنو زيري الصنهاجيون إمارة بمالقة وغرناطة، ومملكة بنو حمود بقرطبة، وهي أسرة إدريسية لكنها اعتمدت على العناصر البربرية والسودانية. أما الصقالبة فكانت لهم إمارات، منها دانية، وجزائر البحر.

خصائص النزاعات الأندلسية:

-رغم كل ما يُقال عن اندماج العناصر السكانية بعضها في بعض، إلاّ أن كل عنصر ظل يحتفظ بجزء من شخصيته الأصلية، كما كان حال كثير من المولدين الذين كانوا يتعصّبون لأصلهم الإسباني رغم إسلامهم.

-إنها حاصلة داخل كل مكوّن اجتماعي، مثلا لا يقف المسلمون في مقابلة النصارى دائما، بل تجد بين المسلمين نزاعات وتنافسا، كما تجد النصارى ينقسمون إلى الكاثوليك والفرنسيسكان والنسطوريين.. وهكذا.

-كانت الخصومات في كل اتجاه، بمعنى أنك لا تجد نزاعا أو تنافسا أبديا بين هذا المكون أو ذاك. فخريطة الصراعات والتحالفات كانت تتغيّر باستمرار، و”عدوّ” الأمس هو صديق اليوم، وعكسه صحيح. فالمجتمع الأندلسي مجتمع معقد التركيب جدا، لذلك لا تنفع في فهمه التحليلات المبسطة. مثلا في بعض فتن إشبيلية في العصر الأموي كان يقف العرب اليمينة والبربر البرانس في جهة، والمضرية والبربر البتر في الجهة المقابلة.

-أصبح العرب مع الزمن أقلية ولم يعد الآخرون يقبلون استئثارهم بالحكم. وهذا تفسير مهم لعالم النزاعات الأندلسية.

-تحوّل الصراع مع بروز مجتمع أندلسي مديني بحيث صارت الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية والمناطقية أهم من التمايزات الدينية والعرقية، يقول المؤرخ الطاهري: “يلاحظ الخلط في الدراسات التاريخية لدى استعمال مقاييس التصنيف الاجتماعي بين المضمون الإثني-الطائفي والديني والمضمون الطبقي. وبالنسبة للأندلس تمّ تخريج خريطة اجتماعية معتمدة تتداخل فيها هذه المضامين جميعا، وتتضمن: العرب، البربر، المولدين، المستعربين، اليهود والصقالبة. والجدير بالذكر أن هذه الخريطة سرعان ما تحولت إلى إطار نظري لا ينطبق كليا مع الواقع التاريخي، فخلال عصر الخلافة كانت الشروخ داخل هذه العناصر والطوائف من القوة أن أدت إلى حدوث تداخل واندماج حقيقيين، مما أفضى إلى تزايد أهمية الحركية الاجتماعية والطبقية، وتدريجيا أصبح الأساس الطبقي أكثر تحديدا للواقع الاجتماعي، في حين تهمشت الانتماءات العنصرية والطائفية بل وحتى الدينية بشكل ملحوظ.”

لكن هذه التنوعات والنزاعات خفّت مع الزمن، وبدأ الجميع ينصهر في نوع من الهوية الخاصة والجامعة والتي عوّضتْ الهويات الأُحادية السابقة من دين ولغة وعرق، أو الأصح دمجتها باعتبارها عناصر لهوية عامة عابرة لها.

يتبع..

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *