أخبار

الثورة المسلحة أو الخروج على الدولة

الدكتور إلياس بلكا 

رأينا في مقال البارحة ما يتعلق بالبغي. أما الخروج عن الحاكم هو رفض طاعته والتمرد على مشروعيته، بينما بيعته هي إعلانٌ بطاعته واتباع أمره. وعادة ما تطلق كلمة الخروج عند الفقهاء على الثورة المشروعة ضد الإمام الذي فقد شرعيته، بينما يسمون الخروجَ على الحاكم الشرعي بالبغي. إذن فالخروج في الاصطلاح المعاصر هو الثورة. قال الحصكفي: “البغاة هم الخارجون عن الإمام الحق بغير حق، فلو بحق فليسوا بغاة.” وشرحه بعض الحنفية فقال: “بيانه أن المسلمين إذا اجتمعوا على إمام وصاروا آمنين به، فخرج عليه طائفة من المؤمنين، فإن فعلوا ذلك لظلم ظلمهم به فهم ليسوا من أهل البغي، وعليه أن يترك الظلم وينصفهم. ولا ينبغي للناس أن يعينوا الإمام عليهم، لأن فيه إعانة على الظلم، ولا أن يعينوا تلك الطائفة على الإمام أيضا لأن فيه إعانة على خروجهم على الإمام. وإن لم يكن ذلك لظلم ظلمهم ولكن لدعوى الحق والولاية فقالوا: الحق معنا، فهم أهل البغي، فعلى كل من يقوى على القتال أن ينصروا إمام المسلمين على هؤلاء الخارجين..”

وقد كانت ظاهرة التمرد على الحكام كثيرة جدا في حضارتنا، بحق أو بباطل. ليس فقط في فرقة الخوارج، بل في جميع الفرق.. فأما الشيعة فثوراتهم معروفة مشهورة، خاصة من الزيدية. وفي محيط أهل السنة كان الخروج كثيرا، بحكم أنهم الأكثرية عددا والأوسع سلطانا. وما على القارئ إلا أن يفتح أي كتاب في التاريخ السياسي الإسلامي، ليتبيّن كم من حركة، وكم من ثورة، وكم من فتنة، يحفل بها هذا التاريخ. وليس هذا بدعا في تواريخ الأمم والشعوب، فلقد كان الصراع على السلطة في جميع المجتمعات البشرية نشاطا مستمرا، ففي كل شعب وفي كل عصر وُجدت طبقة من الناس كان طموحها وشغلها هو بلوغ السلطة، بالسلم أو بالعنف، بالحق أو بدونه.. وليس هنا مجال الحديث  عن هذه الظاهرة في التاريخ الإنساني العام، لكن نشير إلى أن الخروج  كان كثيرا.

 

والحقيقة أن أهل السنة والجماعة أنفسهم يختلفون في مسألة الخروج على السلطان الظالم، لأنه لم يقل أحد بجواز الخروج على الحاكم العدل، الذي اختارته الأمة، وسار فيها بالشريعة، إنما الخلاف في غيره. وأقوالهم الرئيسة هنا ثلاثة:

1- بعض العلماء قالوا: لا يجوز الخروج على الإمام في جميع الأحوال، حتى لو كان غاصبا للحكم ظالما للرعية، اللهم إلاّ إذا خرج  الأمر إلى الكفر البواح، أي المُخرج من الملة. وهذا رأي أكثر أهل الحديث والقول المشهور للحنابلة. بل رأي أكثر العلماء المتأخرين.

2- وقال آخرون: يجب الخروج على الظالم، واستدلوا بالأخبار المشهورة في الأخذ على يد الظالم، وقولِ كلمة الحق عند السلطان الجائر، وبعموم الأدلة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وعلى هذا خرج من خرج على الأمويين والعباسيين. ونسب هذا القول لبعض الأئمة الأربعة، وهو ما يفسر الاضطهاد الذي تعرضوا له من طرف بعض أمراء زمانهم.

3- وقال الكثيرون من أهل السنة: إن كلا الطرفين رأى بعض الحق، وهو مصيب من ناحية واحدة. والجمع بين الأدلة هو في ربط جواز الخروج من عدمه بالمصلحة. قالوا: إن الخروج على الحاكم مسألة فقهية تنبني على اعتبار المصالح والمفاسد، فإذا كان لأصحاب الخروج قوة كافية لهزيمة الباطل، وكانوا أفضل من الحاكمين دينا وكفاءة، ولم يترتب على الخروج ضرر عظيم يربو في مفاسده على الخير المتوقع من الحاكم العادل.. فهنا يجوز الخروج، بل قد يجب. أما إذا كان أصحاب الخروج أقل عددا وعتادا، أو كانوا دون الحاكمين في دينهم وورعهم، أو ترتّـب على هذا الخروج مفاسد تزيد على المصالح المتوقعة.. فإن الخروج يحرم شرعا، ويُكيّـف فقها إلى البغي والفساد، أو الخطأ في التقدير، في أحسن الأحوال. ومن القائلين بهذا الجويني.  قال ابن التين: “الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وَجب، وإلا فالواجب الصبر.”  فيجب عزل الحاكم الجائر، أو العاجز، متى قدر عليه ولم يكن له قهر وغلبة على الناس، وإلاّ فلا.

 

 

وليس هذا قول أهل السنة فقط، يقول الأستاذ معمر: ” إذا ابتليت الأمة بأن كان حاكمها ظالما، فإن الإباضية لا يرون وجوب الخروج عليه، لاسيما إذا خيف أن يؤدي ذلك إلى فتنة وفساد، أو أن يترتب على الخروج عليه ضرر أكبر مما هم فيه..”

ويرجع اختلاف الفقهاء في المسألة إلى جملة أسباب معقدة، منها:

1- وجود نصوص قرآنية وحديثية متعارضة، أي بحسب الظاهر، في بعضها الحضّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم، وفي بعضها الآخر الأمر بالصبر على سلاطين الجور. مثلا جاء في الموطأ حديث الإمام مالك عن عبادة بن الصامت، قال: بايعنا رسول الله عليه الصلاة والسلام على السمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحق أو نقوم بالحق حيث ما كنّـا، لا نخاف في الله لومة لائم. وعلق عليه ابن عبد البر، فقال: ” أما قوله: ألا ننازع الأمر أهله، فقد اختلف الناس في ذلك. فقال القائلون منهم: أهله أهل العدل والإحسان والفضل والدين، مع القوة على القيام بذلك، فهؤلاء لا ينازَعون، لأنهم أهله. وأما أهل الجور والفسق والظلم، فليسوا بأهل له. واحتجوا بقول الله عز وجل لإبراهيم: ﴿إني جاعلك للناس إماما، قال ومن ذريتي، قال لا ينال عهدي الظالمين.﴾ ذهب إلى هذا طائفة من السلف الصالح، واتبعهم بذلك الفضلاء والقراء والعلماء من أهل المدينة والعراق. وبهذا خرج ابن الزبير والحسين على يزيد، وخرج خيار أهل العراق وعلمائهم على الحجاج، ولهذا أخرج أهلُ المدينة بني أمية عنهم وقاموا عليهم، فكانت الحرّة. وبهذه اللفظة وما كان مثلها في معناها مذهب تعلقت به طائفة من المعتزلة، وهو مذهب جماعة الخوارج. وأما جماعة أهل السنة وأئمتهم (يعني جمهورهم)، فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلا عالما عادلا محسنا قويا على القيام كما يلزمه في الإمامة. فإن لم يكن فالصبر على طاعة الإمام الجائر أوْلى من الخروج عليه، لأن في منازعته والخروج عليه: استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي الدهماء، وتبييت الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض. وهذا أعظم من الصبر على جور الجائر.”

 

2- كذلك كان لتفاوت الحُكام في الاستقامة أو عدمها أثر في الاختلاف، لأن الأئمة كانوا درجات كثيرة. والجمهور يفصِل بين فقدان الإمام للشرعية الأخلاقية الشخصية (بحيث يصبح فاسقا باللغة الفقهية) وبين فقدان الدولة التي يمثلها للشرعية القانونية التي تستند إلى الشريعة والدين عموما.. فلا يرون أن الفسق الشخصي للحاكم يوجب عزله بالقوة، بخلاف إذا سقطت مشروعية الدولة نفسها ونظامها نفسه.

3- وعمل السلف سبب آخر لأن الصحابة والتابعين اختلفوا أيضا.. إذ في عصر السلف الأول خرج  طلحة والزبير وأهل البصرة على عليّ، وإن اعتبرهم الجمهور بغاة، خطؤهم هو الافتيات على الإمام. وكذلك خرج عبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن الأشعث والقراء وأهل المدينة – في زمن يزيد بن معاوية- والعباسيون الذين أسقطوا الأمويين… هؤلاء ثاروا على حكومات قائمة وسلاطين شبه مستقرة.

4- والسبب الآخر واقعي وتاريخي يتعلق بتقييم العلماء لبعض الثورات التي عايشوها أو خبروها من خلال الكتب أو الرواية الشفوية، ولا ينبغي أن ننسى أن العلماء الكبار كانوا يتركزون في الحواضر ولم يكونوا بعيدين عن الاهتمام بالسياسة وشؤونها، إن لم يكن لبعضهم مشاركة فعلية فيها. وقد لاحظ بعضهم أن الذي جرى عمليا في التاريخ الإسلامي أن كثيرا من الخارجين لم تكن لهم شوكة، فكانت حركتهم مجرد فتنة تذهب بأنفسهم وأموالهم، وتضعف دول الإسلام وتشغلها عن واجباتها الأخرى. قال ابن تيمية: “قلّ من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولـّد عن فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير.” كما أن أكثرية الخارجين كانوا طلاب دنيا، وإن رفعوا شعارات الصلاح والإصلاح، بل كثيرا ما كان بعض السلاطين الحاكمين أفضل وأعقل –بمقاييس الدين والدنيا- من الخارجين عليهم… وقد نجحت بعض حركات الخروج فعلا، فحكمت وما أحسنتْ. لهذا نظر فقهاؤنا إلى هذه الثورات المتلاحقة نظرة ريبة وشك، ورأوا أن ما تفسده من الدماء والأعراض والأموال كثير جدا، ورأوا أيضا أن هذا كله -في النهاية – يضعف الدول الإسلامية، ويجعلها فريسة سهلة لأعدائها من الأجانب.. لذلك اقترب الرأي الثالث لأهل السنة من الرأي الأول، حتى ظن الناس أن لأهل السنة قولا واحدا، هو تحريم الخروج على الظلمة، وليس كما ظنوا، إنما بحسب مراعاة المآلات ودرء المفاسد.. وهذا كله نظر مصلحي، فالمسألة اجتهادية محضة.

لذلك الذي يتّجه في النظر اليوم بحسب ظروف الأمة الحالية هو هذا الرأي، أي عدم جواز الخروج المسلّح على الحاكم ولو كان ظالما. وما وقع في كثير من البلدان العربية في السنين الأخيرة يدلّ على ذلك، حيث صار فيها حروب أهلية أكثرها لم ينته بعد رغم دمار البلاد وهلاك العباد.

يتبع…

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *