أخبار

الخوارج: فرقة تاريخية أم حالة متجدّدة؟

الدكتور إلياس بلكا 

رأينا في المقالين السابقين ما يتعلّق بحالتيْ البغي والخروج، وبقي الحديث عن الخوارج.

حين توفي الخليفة عثمان رحمه الله، اختار أهل الحل والعقد بالمدينة علي بن أبي طالب أميرا للمؤمنين. لكن معاوية الوالي على الشام رفض البيعة، فقاتله علي باعتباره باغيا، وكانت وقعة صفين.. وفيها طلب أهل الشام التحكيم. وانقسم جيش علي إثر ذلك بين موافق ورافض كما حكى الطبري: ” خرجوا مع علي إلى صِفين وهم متوادون أحباء، فرجعوا متباغضين أعداء. ما برحوا من عسكرهم بصفين حتى فشا فيهم التحكيم. ولقد أقبلوا يتدافعون الطريق كله، ويتشاتمون ويضطربون بالسياط. يقول الخوارج: يا أعداء الله دهنتم في أمر الله عز وجل، وحكّمتم. وقال الآخرون: فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا.”

لذلك انشقـت عن عليّ جماعة كبيرة سميت بـ: المحكِّـمة. قال صالح الصوافي: ” ثم حدثت معهم لقاءات، أسفرت عن نوع من الموادعة بينهم وبين عليّ.. إلى أن كان التحكيم وأسفر عما أسفر عنه، فكان في ذلك مدعاة لاشتداد أمرهم وتآزرهم وخروجهم عن علي. وإذا بجموعهم تتكاثر وصفوفهم تنتظم(..) وصار لهذه الفرقة الجديدة شأنها في سير الأحداث وتوجيه الحوادث. وأصبحت تدافع عن آرائها بقوة الدليل ومنطق البرهان، غير أنها -شأن كل جماعة- ما لبث أن ظهر في آرائها الغلو، فانقسمت فيما بينها إلى فرق عديدة.”

وقد انتحى المحكمة جانبـا بقرية حروراء بناحية الكوفة، وبها سموا حرورية.  ثم إنهم بايعوا بالإمارة العامة عبدَ الله بن وهب الراسبي، ولقبوه أمير المسلمين، واختاروا أميرا على القتال. وحاول علي أن يتدارك أمرهم قبل أن يستفحل، لكن تبيّن أن الخلاف عميق بين الطرفين، فالمحكمة لم يروا التحكيم مجرد خطأ، لكنه خروج عن الشرع ومخالفة لحكم الدين، لأن في  القرآن الأمر بقتال الفئة الباغية لا غيره. وساعد فشل التحكيم الذي قام به أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص على انضمام كثير من الناس إلى المحكمة. لذلك كان الصدام بين الطرفين منتظرا، خاصة أن عليـَـا لا يمكنه المسير إلى الشام لقتال بغاتها وظهره بالعراق غير مأمون. فكانت وقعـة النهـروان، وانتهت بهزيمة المحكمة، الذين كانوا حوالي ألفين وثمانمائة. وبقيت منهم بقية، لم تزدها الهزيمة إلا إصرارا على موقفها السلبي من علي. لكن المحكمة فقدت وحدة صفها، فشاعت فيها الفرقة وساد الاضطراب، وكثرت الآراء والأهواء. وانشق بعض المُحكمة الذين استنكروا سلوك الغلاة من أتباع الراسبي، واتهموهم بالانحراف واستحلال ما حرم الله، والولوغ  في دماء المسلمين. وأطلق عليهم “القعدة”، لأنهم آثروا القعود والمسالمة في مثل تلك الأمور المشتبهة، بينما فضّل الآخرون الخروج والسيف.

 

هكذا ظهرت النزعة الخارجية في الأمة، وانتشرت بين الخوارج بمختلف فرقهم واتجاهاتهم.

ومُذّاك بدأ الناس يتحدثون عن الخوارج، لكن هذه الطائفة لم تُعرّف بحدّ واضح منضبط، لهذا يقع الخلط والغلط، حتى إن أكثر كتب الفِرق والمذاهب الاعتقادية قليلة العناية بالمسألة، إلا ما كان من ابن حزم والشهرستاني.. قال ابن حزم: ” أما الخوارج، فعمدة مذهبهم الكلام في الإيمان والكفر، ما هما؟ والتسمية بهما، والوعيد، والإمامة. واختلفوا فيما عدا ذلك، كما اختلف غيرهم(..) ومن وافق الخوارج في إنكار التحكيم، وتكفير أصحاب الكبائر، والقول بالخروج على أئمة الجور، وأن أصحاب الكبائر مخلدون في النار، وأن الإمامة جائزة في غير قريش: فهو خارجي، وإن خالفهم فيما عدا ذلك فيما اختلـَف فيه المسلمون. وإن خالفهم فيما ذكرنا فليس خارجيا.” فهذه شروط أربعة: إنكار التحكيم، وكفر أصحاب الكبائر مع خلودهم في النار، والخروج على أئمة الجور، والإمامة في غير قريش.

ويبدو أن تعريف ابن حزم للخوارج من أحسن التعاريف وأدقّها، لكنه تعريف تاريخي قد لا يصلح اليوم.  لذلك قال النووي مثلا: “الخوارج صنف من المبتدعة يعتقدون أن من فعل كبيرة، كفر وخلد في النار، ويطعنون لذلك في الأئمة ولا يحضرون الجمعات والجماعات.”

وإنما سُموا بالخوارج، لقوله عليه السلام: تخرج في أمتي.. إذ توجد أحاديث نبوية تتحدث عن ظهور طائفة في الأمة في المستقبل بمواصفات معينة، فحمل العلماء هذه الأحاديث على  الخوارج.

إذن ما الفرق بين خروج بعض أهل السنة مثلا، وبين خروج الخوارج. يقول الأستاذ علي يحيى معمر في توضيحه : “إطلاق لفظة الخوارج إنما كانت تعني من يخرج على نظام قائم، فلا يكتفي بمحاربة النظام القائم –سواء كان عادلا أو جائرا-، وإنما يضيف إلى ذلك أن يستحلّ دماء وأموال وحرمات من يخالفه، ويحكم عليهم بأحكام المشركين، ويطبقها عليهم ما تمكّـن من ذلك(..) والخوارج حين ثاروا على ما اعتقدوه ظلما، ورأوه انحرافا بالحكم عن المنهج الإسلامي الشوري إلى منهج ديكتاتوري مستبد، لم يقصروا الثورة على أجهزة الحكم الفاسد فقط، ولو في نظرهم، وإنما تجاوزوا ذلك إلى أن حكموا على غيرهم من المسلمين بأحكام المشركين، واستباحوا منهم ما أباحه الله من الكفار(..) وقد كان رد الفعل لهذا الموقف من الأمة المسلمة أن حكمت الأمة على هذه الثورية المنحرفة المتطرفة بنفس الحكم، وبادلتها نفس الموقف، وأطلقت عليها لفظ الخارجية والخوارج، وهي تقصد بذلك خروج من يدين بذلك من الدين، بسبب الحكم على المسلمين بالشرك.”

هذه هي السمة الأساسية للخوارج: يؤسسون لأمة صغيرة مقابل الأمة الكبيرة التي يعادونها. ورغم ذلك اعتبرهم الفقهاء في حكم البغاة، وإن خرّجت لهم بعض المذاهب أحكاما خاصة بهم، لكن القاعدة هي إلحاقهم في المعاملة بالبغاة.  لذلك اختلف العلماء في حكم الخوارج، هل يُكفّرون أم لا. والأكثرية أنهم مسلمون، لكن بعض الفقهاء قال: يُقاتَلون ولا يُتركون.  بينما رأى آخرون تركهم ما داموا مسالِمين، قال الشافعي: “لو أن قوما أظهروا رأي الخوارج وتجنبوا جماعات الناس وكفّروهم، لم يحلَّ بذلك قتالهم لأنهم على حرمة الإيمان لم يصيروا إلى الحال التي أمر الله عز وجل بقتالهم فيها.” فلا تبعة عند الشافعي على مجرد الرأي حتى يتلوه عمل قتالي.

وقد كان كثير من أهل العلم يعتقدون أن الخوارج فرقة اندثرت وخرجت من مسرح التاريخ، ويذكرون من فروعها النجدات والأزارقة والصفرية.. حوالي سبعة عشر فرعا.. وساعد على هذا التصور أن أكثر هذه الفرق عاشت ونشطت في القرنين الأول والثاني، أي في عهد الأمويين وبداية عصر العباسيين.. وبعد ذلك انفضّ عنها الناس وصارت جماعات صغيرة ما لبثتْ أن ذابت في أوساط الجمهور الأعظم من الأمة والذين يُلقبّون بأهل السنة والجماعة.

لكن الاستقراء التاريخي يدلّ على انبعاثات متكررة للخوارج، من حين لآخر، في هذا البلد أو ذاك. وذلك تحت مسميات جديدة. لم يعد يوجد الأزارقة أو النجدات مثلا.. لكن كان يظهر ما يشبههم، ثم يختفي، ثم يظهر شكل آخر باسم آخر.. في ظاهرة مستمرة، قد تنقطع، لكنها ما تلبث أن تعود بصورة جديدة، حتى بشعارات “سنيّة” أيضا. لذلك يبدو أن الخوارج في الأكثر كانوا يخرجون من أوساط أهل السنة وفي عالمِهم، بينما ظهر الغلاة في أوساط الشيعة وفي دنياهم.

لذلك أتعب الخوارج الدول الإسلامية المتعاقبة وشغلوها أحيانا عن واجباتها الداخلية والخارجية، كما استنزفوا كثيرا من طاقات الأمة وإمكاناتها فيما يشبه التمرد المسلح الدائم والذي لا يحقق أيّ نتيجة، لأن المسلمين تاريخيا رفضوا الخوراج ولم يتقبلوا منهجهم.

والذي يتأمّل أحوال بعض جماعات المسلمين في العقود الأخيرة يلاحظ أن في بعضها سمات الخوارج أو روح الخوارج، ما يفسّر حجم الدمار الذي تسبّبوا به للعالم الإسلامي ومدى الأذى الذي ألحقوه بأنفسهم وبإخوانهم المسلمين. ولعلّ هذا من حِكَم التحذير النبوي المتكرّر من خطر الخوارج.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *