أخبار

الرضا بما تقدّم والقناعة بالقسم

الدكتور إلياس بلكا

 

القناعة من القيم الإنسانية الكبرى، لكنّها قيمة مغيّبة في الغالب، إذ الطاغي على عصرنا هذا هو الشّره والجشع وعدم قبول ما كتبه القدر لكلّ أحد.

بداية لابد من الإقرار بـأن من الحقوق البشرية الأساسية ما يمكن تسميته بـ: “الحق في الحلال”: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ.﴾ ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.﴾

أي من حقّ كل إنسان أن تكون له الكفاية من المسكن والأكل والشرب واللباس والتطبيب والتمدرس… على الوجه اللائق بالكرامة الإنسانية. وقد أجمع الفقهاء على ذلك، كما حرص الخليفتان عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز على تحقيق ذلك لجميع أفراد الرعيّة.

لكن من جهة أخرى على المرء أن يقنع بما أعطاه الله، وهو الذي نسميه بالرضا بالقَسَم. وهذا الرضا الباطني هو أصل السعادة، إذ السعادة تكون بحسب ما استقرّ بقلبك من الشعور وليس بحسب ما تملك من الأشياء. وهذا الرضا يثمر ما يطلق عليه القرآن: الحياة الطيبة، قال جلّ من قائل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.﴾ قال سيدنا الحسن وابن عباس: الحياة الطيبة هي القناعة.

وحرّم الله التفاخرَ والمباهاة: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ.﴾ حيث من معاني الآية وجوب مراعاة مشاعر المحرومين، لأن التفاخر  بالدنيا يثير من لا يملكها فيحزنه ذلك ويزعجه دونما طائل.

والآثار السيئة لعدم القناعة كثيرة، منها: انتشار الحقد والحسد واتساع الشروخ الاجتماعية التي تهدّد تماسك المجتمعات وانسجامها. والفساد المالي من سرقة ورشوة… وانتشار القيم المادية والجشع والطمع. ولا أدلّ

على ذلك من حال المجتمعات الغنيّة والمتقدمة في التكنولوجيا والقانون والحكامة الجيّدة… والتي تعيش معظمها هذه الآثار من دون أن تنجح في القضاء عليها، بل هي في تزايد ببعض البلدان كأمريكا وإيطاليا وإسبانيا.. على سبيل التمثيل.

إن “القناعة والرضا” هما القيمة التي ينبغي أن نواجه بها سنة الابتلاء، وهي سنة نافذة وعامة لا تستثني أحدا. والابتلاء يكون بالنقص أو الحرمان من بعض الشهوات الأساسية للإنسان: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ.﴾

لذلك حض الإسلام على القناعة في عدد وافرمن النصوص، نذكر منها قول الرسول ﷺ: “ليس الغنى عن كثرة العرَض، ولكن الغنى غني النفس.” (رواه البخاري ومسلم.) والأعراض هي الأشياء المادية. وقال: “كن ورِعا تكن أعبد الناس، وكن قَنِعا تكن أشكر الناس.” (رواه ابن ماجه، سنده حسن.) وقال: “قد أفلح من هُدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا وقنع به.” (الترمذي وقال حسن صحيح.) وكان من دعائه ﷺ: “اللهم قنّعني بما رزقتني وبارك لي فيه، واخلُف لي على كل غائبة بخير.” (رواه الحاكم وصحّحه ووافقه الذهبي.)

إن هذا الاستقلال القلبي عن عالم الأشياء هو الغنى الحقيقي، لذلك بوّب المُحدّث ابن السِّنِّي: باب أقنع الناس هم أغنى الناس.

ولم يكتف النبي الكريم بهذا التنبيه العام، بل أرشد إلى أحد الأساليب الفعّالة لاكتساب خلق القناعة حين قال: “انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزْدروا (قلتُ: أي تحقروا) نعمة الله.” (رواه البخاري ومسلم.) كأنه يقول: بدلاً من أن تحصي النعم التي حُرمتَ منها أَحْصِ النعم التي أُعطيتها.

إن هذا لا ينافي حقيقة أن الطموح إلى الأفضل طموح مشروع لا حرج فيه، ويسميه القرآن العظيم بابتغاء فضل الله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ.﴾ ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ.﴾ لكن هذا يكون باعتدال، ومن باب احترام حكمة الله من نظام الأسباب والمسببات، وبدون فرح زائد بالنعمة ولا حسرة على فقد شيء. ذلك لأنه لا يمكن للمؤمن أن يكون كالكافر. نحن نعتقد أن الدنيا أيام معدودات نعيشها ثم ننتقل إلى العالم الباقي. بينما الكافر لا يرى غير الدنيا، فهي كُلّ همّه ومنتهى أمله.

وهذا ممّا يفسّر فشل جميع المحاولات الفكرية والاجتماعية لإنقاذ الإنسان من شرور الشّره والاستهلاك والتبذير والسخط والقلق والفراغ… والوهم. فأصحاب هذه المحاولات فكّروا في كل شيء إلاّ الله سبحانه. والحقيقة أنه لا يمكن أن يوجد شيء، ولا أن يصحّ شيء، ولا أن يفعل شيء… من دون الله.

لقد وضع المرحوم المفكر خالد محمد خالد كتابا عنونه: “من هنا نبدأ.” وراح يفتّش يمنة ويسرة يبحث عن منطلق للنهضة الحضارية. وغاب عنه أن البداية تكون بالرجوع إليه تعالى، من الله البدءُ وإليه المنتهى، فهو الأول والآخر، وهو سبحانه الكنز الأعظم والغِنَى الأفخم. لذلك كتب الشيخ ابن عطاء الله ضمن مناجاته المطبوعة في نهاية حِكمه العظيمة: ” إلهي، ماذا فقـَد من وجدك، وما الذي وجد من فقدك؟ لقد خابَ من رضِي دونَكَ بدلاً، ولقد خَسِرَ من بَغَى عنكَ مُتَحَوَّلاً.” لذلك ينبغي أن نقنع بكلّ شيء، إلا الله، فنسعى دائما للمزيد من معرفته ومحبته وعبادته والتقرّب منه، وهو ما لخّصه الإمام أبو الحسن الشاذلي بقوله: “القناعة من الله حرمان.

 

 

 

إن عطش الإنسان إلى الأشياء وتملّكها والاستمتاع بها عطشٌ لا تَرويه البحور السبعة.  حتى نظام الأخلاق لا يكفي هنا، ولا يمكنه لوحده ترسيخ القناعة والرضا ومواجهة الجشع والشره. ففي النهاية لابدّ من الإيمان..

والجدير بالذكر أن القناعة قيمة عامة لا تختصّ بالمال فقط، بل تكون أيضا بالصحة والجسد، أي يجب أن ترضى بجسمك، ألا ترى هوَس الإنسان المعاصر –ذكرا أو أنثى- بعمليات التجميل التي تشهد انفجارا هائلا في انتشارها والاهتمام بها حتى ظهرت سوق عالمية من عشرات الملايين من الناس في مشارق الأرض ومغاربها توصّلوا إلى أن الصورة البدنية التي خلقهم الله عليها تحتاج لتعديل بشري وتدخّل جراحي.

والقناعة تكون أيضا بالأسرة، أي تقنع بزوجتك، فهي رزقك، وليس أن تعيش تقارن بينها وبين زوجات الآخرين أو النساء الأخريات. وتقنع بأولادك، أي تقبلهم كما هم. كم من طفل أو فتى متوسط القدرات والذكاء يضغط عليه أبواه فيُعيّشانه ويعيشون معه في نكد لا ينتهي لأنهما يريدان منه أن يكون على الصورة التي يحلمون بها. عموما احذَر المقارنة فهي أصل الدّاء.

وعليك أن ترضى أيضا بالجغرافيا، أي بالأرض التي خلقك الله فيها. انظر إلى إنسان اليوم كم يهاجر بسبب وبدون سبب، حتى لو لم يستطع أن يهاجر خارج البلد فهو يهاجر داخله. لقد سجّل عالم المستقبلية الأمريكي البارز ألفن توفلر هذه الملاحظة منذ السبعينيات، حين تحدّث في كتابه “صدمة المستقبل” عن كثرة التنقل في المجتمع الأمريكي بحيث يغيّر الأمريكي سكنه باستمرار، بل يغيّر حتى المدينة. لكن هذا لم يمنع الأمريكيين أن يكونوا من أكثر الشعوب في العالم التي تستهلك الحبوب المنوّمة والمهدئة.

 

إنه عالم ما بعد الحداثة، عالم فقد فيه الإنسان علامات الاهتداء، وأراد أن يسلك طريق الحياة لوحده لأنه ظنّ كما البريطاني جوليان هكسلي الذي وضع كتابا بعنوان: “الإنسان يقوم وحده،” في حين أن الإنسان لا يستطيع ذلك، كما أوضحه العالم الأمريكي كريسي موريسون في ردّه على هكسلي بكتاب آخر عنوانه: “الإنسان لا يقوم وحده،” والذي اختار له المترجم العربي عنوان: “العلم يدعو إلى الإيمان.”

 

 

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *