أخبار

الفرديّـة والتقدّم في الحضارة الغربية الحديثة

الدكتور إلياس بلكا 

يعرف عصرنا هذا تضاربا بين قيم توصف بأنها عالمية وأخرى تُنعت بأنها محلية، والسؤال: هل القيم –سواء كانت ترجع إلى الأخلاق أم كانت أعمّ- هي قيم إنسانية عامة تشترك فيها جميع الشعوب، أم إنها تختلف بحسب الحضارات والمجتمعات، وبحسب الأزمنة والعصور؟

والحق أن من القيم ما هو إنساني عام، كقيمة تقدير الحياة مثلا، وإن اختلف الناس في بعض تفاصيلها، ومنها ما يختلف من حضارة لحضارة ومن زمن لآخر، أعني حتى داخل الحضارة نفسها. ومنها مثلا: قيمة الفرديّة (أو الفردانية) وقيمة الجماعة. وسنخصّص مقال اليوم للقيمة الأولى، بينما يكون مقال الغد بحول الله للقيمة الثانية، أي الجماعة.

 

سؤال الخصوصية والكونية وصلته بفكرة التقدم:

بداية لابد من الإشارة هنا إلى أن الأصل الفلسفي لنظرية كونية القيم مطلقا هو: مبدأ التقدم، وعنه يقول الأستاذ عبد الوهاب المسيري: “يجب أن ندرك أنه هو الركيزة الأساسية للمنظومة المعرفية المادية الغربية الحديثة، وهو الإجابة التي تقدمها على الأسئلة النهائية التي يواجهها الإنسان: من أنا؟ ”

وقد عرّف لاروس (التقدم) في موسوعته الشهيرة بأنه “فكرة أن الإنسانية تنتقل كل يوم من حال إلى ما هو أحسن منه، وأنها كل يوم أكثر سعادة. وهذه الفكرة بالخصوص عزيزة جدا على أهل عصرنا.”

وإذا كان عصر النهضة الأوربي أعجب بتراث الحضارتين الإغريقية والرومانية، وتلقى بشغف كبير الأعمال الفلسفية والأدبية القديمة… فإنه سرعان ما تعالت الدعوات إلى تجاوز هذا التراث. لذلك وضع تورجو في سنة 1751 مخططا لكتاب شامل يؤرخ للبشرية، اعتبر فيه أنها كالفرد الواحد، كانت لها طفولتها، وهي الآن تسير بخطى راسخة وحثيثة نحو الرشد والحضارة والسعادة والعدالة والتفوق العقلي.

وينبني مفهوم التقدم على تصور خاص للزمن.. له بداية، دون أن تكون له بالضرورة نهاية، فهو ينساب بشكل خطي وثابت نحو الأفضل. لذلك فالتقدم تاريخي، وهو صيرورة تاريخية. وأساس هذا التقدم هو تقدم المعرفة. لذلك لجأ كوندورسيه إلى التاريخ لا الفلسفة للكشف عن المسيرة الطويلة و”المظفرة” للبشرية، فكان كتابه الذي صدر سنة 1795: “مخطط لوحة تاريخية لتقدم العقل الإنساني”.

 

 

ويستحيل أن نحصي أسماء مفكري التقدم، فمنهم: أوجست كونت، وماركس، وإنجلز، وبرودون، ورينان، وبنتام، واليوتوبيون… الخ. بل تحوّل مفهوم التقدم إلى إيديولوجيا كاسحة، بلغت أوجها بأوربا القرن التاسع عشر، فأصبح -كما قال كورنو (توفي 1877)– مفهوما دينيا خالصا، وكتب لاروس: ” الإيمان في قانون التقدم هو الإيمان الحقيقي في عصرنا هذا.”

وقد كان هذا القرن على موعد مع نظرية جديدة وَجد فيها ما يظنه يدعم بشكل “علمي” ونهائي أطروحة التقدم، ألا وهي: نظرية التطور التي بسطها داروين في كتابه البالغ الأثر على الفكر الأوربي: أصل الأنواع (صدر سنة 1859). إذ سرعان ما تلقّف أنبياء التقدم نظرية الكتاب، وقاموا بتَعْدِيتها من عالم النبات والحيوان إلى عالم الإنسان… فظهر الإنجليزي سبنسر (ت 1903)، ورأى في كتابه “المبادئ الأولى” أن التطور نحو الأفضل هو القانون الأكبر للكون.

لذلك فإن نظرية كونية القيم -بالشكل الذي تُطرح فيه في الغالب- هي إيديولوجيا غربية تعني أن البشرية تسير نحو التقدم، وأن الحضارة الحديثة هي أعلى ما وصلت إليه الإنسانية من التقدم على جميع المستويات المعنوية والمادية… فما على الحضارات الأخرى إلاّ أن تسير في الطريق نفسه الذي سارت فيه المدنية الغربية وأن تتبنّى القيم نفسها التّي نجح بها الغرب في تحقيق التقدم. وإذا لم تفعل فإنها تحكم على نفسها بالتخلّف والتأخر، أي بضدّ التقدم.

الفرديـّــة في الحضارة الغربية الحديثة:

يوجد في التاريخ الأوربي تقليدان أو اتجاهان أساسيان:

الأول: التقليد الجماعي، أو الإعلاء من قيمة الجماعة أكثر. ففي الاشتراكية الوطنية، الألمانية مثلا، القيمة العظمى هي للشعب   Volkالذي يحفظ أرضه ولو بدمه، وقيمة الفرد من قيمة الجماعة، بل لا وجود له خارجها. وقد جسدت ألمانيا النازية هذه النظرية خير تجسيد، كما جسدتها أيضا إيطاليا الفاشية، وإن كانت الفاشية أكثر تقديسا للجماعة أو الوطن، وأكثر سحقا للفرد الذي عليه أن يقدّم كل شيء، بما في ذلك حياته ودمه، في سبيل ترسيخ وجود الشعب وتحقيق مصالحه. ومُنظّرو الجماعية هنا تأثروا بدوركايم، عالم الاجتماع الفرنسي الذي يرى أن المجتمع ليس مجموعة أفراد فقط، بل هو يتعالى على المجموع ليكون حقيقة اجتماعية مستقلة لها حياتها وأدوارها وكيانها الذاتي.

وما يمكن ملاحظته هنا على التقليد الجماعي الغربي أنه يكاد يلغي أي وجود مستقل للفرد ولو كان نسبيا ومحدودا.

الثاني: التقليد الفردي. وقد جاء أصله مع البروتستانتية، فالإصلاح الديني للوثر وكالفن وإراسموس… ونحوهم، رسّخ من شأن الفرد، وجعله محور الدين والتديّن، لذلك قام هذا الإصلاح ضد الكنيسة وما تُمثله من قيم جماعية. فالفرد هو الذي يؤمن بالله ويتعبّد له، وهو الذي يفهم كتابه المقدس.. لا يحتاج في ذلك كله إلى أيّ وساطة جماعية. لذلك وغيره توافق الدارسون على أن أصل الفرديّة الغربية الحديثة تعود إلى الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر.

ثم جاء القرن الثامن عشر، وانتشرت فيه فلسفة الأنوار فكان لها دور التدعيم الفكري والفلسفي لقيمة الفرد، كما يظهر ذلك مثلا مع جان جاك روسو… وقد عكست الثورة الفرنسية هذا التحوّل الديني والفلسفي للموضوع، فترجمته سياسيا عبر مجموعة من الإعلانات الدستورية والسياسية والقانونية التي جاءت بها الثورة في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر.

وحين دخل العالم عصر الحداثة والتحديث كان من أهم سماته وركائزه: اعتبار الفرد هو القيمة العليا مع تراجع مستمر لاعتبار المجتمع، إلى درجة مُعاداته، كما وقع في ثورة الشباب سنة 1968 بفرنسا وغيرها. والموضوع متشعب الجوانب طويل الذيول لا يمكننا تفصيله هنا.

يتبع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *