أخبار

المسخ والدجل وانقلاب المعاني

الدكتور إلياس بلكا

في الأصل خلق الله تعالى الناس على الفطرة السليمة وعلى الهيئة السويّة عقليا ونفسيا وبدنيّا. لكن عوامل متعدّدة شوّهت هذا الخلْق، فلم يعد سليما. لذلك قال سبحانه في الحديث القدسي: “إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا.” (رواه مسلم.)

وشيئا فشيئا انتهى هذا التشوّه إلى مسخ عام قد استحكم في البشرية، على تفاوت طبعا بين الشعوب والجماعات والأفراد. وتعدّدت صور هذا الانمساخ الكبير، فمنه ما مسّ الروح، كالشرك بالله، إذ كيف يترك البشر عبادة الإله الواحد إلى التوجّه لأنواع لا تنقضي من الأصنام والفراعنة والأوهام.. ومنه مسخ مسّ المفاهيم والأفكار، كالمكيافيلية في السياسة مثلا. ومنه مسخ أخلاقي، كقوم لوط عليه السلام الذين كانوا يقولون: ﴿وَمَاكَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ.﴾

إن المسخ الاجتماعي الشامل يبدأ صغيرا ثم يكبر، فهو ينمو بالتدريج، ويتسلّل إلى النفوس والقلوب بهدوء ماكر. وقد ضرب لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا فقال:”كيف بكم أيها الناس إذا طغى نساؤكم وفسق فتيانكم؟ ” قالوا: يا رسول الله، إن هذا لكائن؟ قال:  نعم، وأشد منه، كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟  قالوا: يا رسول الله، إن هذا لكائن؟ قال:  نعم، وأشد منه، كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفا والمعروف منكرا؟ ( رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط .)

كما أن من صفات هذا المسخ أنه يقلب الموازين بحيث ينعدم التمييز بين الخير والشرّ، وبين الصواب والخطأ: “لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن ويخوّن الأمين.” (رواه أحمد والترمذي.)

كذلك لا يبقى المرء على سلوك واحد، فيتأرجح بين الاستقامة والانحراف، بل بين الإسلام والكفر، ففي صحيح مسلم عن نبينا الكريم: “بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مسلمًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا.”

وانظر حال المجتمعات المعاصرة اليوم، كيف فقد أكثرها البوصلة الصحيحة بشكل شبه تام. فاللامعنى أصبحيُسمى فنّاً، والمقاومة تسمى إرهابا، وتعدد الخليلات مشروع بشرط عدم توثيقه بالقانون، وتدمير الأرض يسمى تنمية، وقتل الشعوب هو ممارسةٌ للسيادة، والتزام أحكام الشريعة تشدّد، وتحريف الدين يسمى اجتهادا، والسرقةغدتْ ذكاءً، والاستعمار تعاون دولي، وضياع الهوية انفتاحٌ… الخ.

وهذا التشوّه أصاب الدين أيضا، أي فهم الناس للدين، أما أصله من الكتاب والسنّة فمحفوظ. ألا ترى كيف يتعلّق كثير من المسلمين بمظاهر التديّن وقشوره في حين لا حياة لقلوبهم ولا إيمان، فأثمر ذلك انفصاما اجتماعيا وفشلا تربويا وتراجعا حضاريا؟

وقد خصّص المفكر الكندي آلان دونو كتاباً مستقلاً لهذا الانمساخ الكلّي، عنونه بــ” التفاهة.”

يهدف نظام التفاهة إلى استبعاد القيم الإنسانية الأصيلة من أيّ اعتبار، وحصر الاهتمام في مصالح المال والأعمال وتحقيق الشهرة… لذا كان سلاحه هو التسطيح وتعميم البلاهة. وقد نجح هذا النظام في إبعاد الناس عن الشؤون الكبرى والعامة، وإغراقهم في الهموم الفردية والاهتمامات السخيفة… لذلك يدعو دونو إلى ثورة جذرية على هذا النظام الذي يقتل السياسة والثقافة والروح..ويجعل من الناس مجرّد قطيع يتشابه في كل شيء ويسهل قيادته إلى المذبح.

 

إن القيامة لا تقوم قبل أن يظهر المسيح الدجّال، كما أخبرنا بذلك النبي عليه السلام في عدد كبير من الأحاديث الصحيحة. والدجال يمثّل المسخ مجسّدا، لذلك تذكره بعض الروايات باسم: المسيخ الدجال بالخاء، فهو نفسه مشوّه الخلقة وله عين واحدة، كأن ذلك إشارة إلى أن أصل المسخ المعنوي في البشرية أنها ترى بعين واحدة وتسير على قدم واحدة… فالحضارة الحديثة العرجاء والعمياء تقوم على المادة فقط وتلغي الروح، وتقوم على العقل دون الشعور، وحدّها الدنيا ولا تعرف الآخرة..وهكذا. والدجال أيضا هو تجسيد لانقلاب المعاني وتبدّل الموازين، لذلك فهو الصورة المقلوبة للمسيح عليه السلام، لذلك تُعرّفه المسيحية –والتي تؤمن بدورها بقدوم الدجال- بأنه “نقيض المسيح  Antichrist.” ولذلك أيضا عيسى المسيح هو الذي سيقتل الدجال كما في الأحاديث.

لكن الدّجَل يسبق ظهور الدجال، والمسخ يسبق ظهور المسيخ.. ولابد من وجود الدجاجلة الصغار الذين يمهّدون للدجال الأكبر. والمتأمل في عالم اليوم يلاحظ انتشارا مُهولا للدجل على مختلف الأصعدة، وكثرة في الدجالين من كل نوع وصنف. وهنا لابد من ملاحظة أن للإعلام بمختلف وسائله النصيب الأكبر في نشر الدجل على مستوى العالم وبين جميع الطبقات والجماعات. وفي عصرنا وصل التلاعب الإعلامي إلى أقصاه بحجب بعض المعلومات أو تقديم معلومات مغلوطة أو الإيحاء أو تحويل انتباه المتلقي إلى جهة معينة أو استعمال أدوات الدعاية والتزييف والتأثير النفسي.. وانتقل الناس من العكوف خاشعين أمام  التلفزة إلى العكوف بخشوع أكبر أما الهواتف النقالة…  في تفاصيل كثيرة تشكل اليوم موضوعا مستقلا للبحوث والدراسات.

وأخيرا نقول: كما أن بعض البشرية يرتفع ويسمو حتى يتجاوز الملائكة في طهرها وصدقها.. فكذلك يحدث لبعضها الآخر أن تنحطّ وتتراجع إلى ما دون المرتبة الحيوانية: ﴿  أُوْلَئِكَ كَالأَنعَامِ بَل هُم أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ﴾… بل إلى ما هو أقلّ من الجماد: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.

إن المسخ هو خروج عن الطريق المستقيم وتوهان في سبل شتى كلها تؤدي إلى الضياع. والقرآن حين ذكر مسخ بعض الناس قديما على قردة وخنازير إنما يشير إلى أن التنكّب عن دين الله تعالى في مقدور المُكلّـفين حيث هم أحرار، لكن لابد أن يكون له ثمن بفقدان شيء يقلّ أو يكثر من إنسانية الإنسان. لذلك كان المسخ المعنوي في البشرية سنّة إلهيّة ماضية إلى يوم القيامة، ولا تختص بزمن دون زمن، أو أمة دون أمّة.

وتبقى حقيقة المسخ هي العبودية لغير الله تعالى، بما في ذلك عبادة الإنسان لنفسه وهواها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


  • ياسين البويحيوي