أخبار

الهوية الأندلسية: أسسها وقيمها

الدكتور إلياس بلكا

رأينا البارحة التركيبة العامة للأندلسيين وما أنتجته من اندماج أو صراع. والنتيجة أنه تشكل مع القرون نوع من الهوية الأندلسية.. بحيث كان الأندلسيون الذين انصهروا في بوتقة واحدة يسمون بأهل الجماعة، أي مقابل الذين دخلوا الأندلس متأخرين من عرب وبربر، في عهود ملوك الطوائف والوصايتين المرابطية والموحدية. وغدا من الصعوبة بمكان التمييز بين المكونات الأولى لسكان الجزيرة.

لذلك من المشروع اليوم أن نتحدث عن هوية أندلسية بخصائصها المميزة، وعن مجتمع أندلسي تاريخي له سماته الواضحة، كما يفعل مجموعة من الباحثين من العرب ومن غيرهم، أمثال خوليو روبيرو، وماريا روزا مينوكال. وماثيو كار… الخ حتى نصل إلى تأسيس إيديولوجي وتاريخي متكامل لهوية الأندلس –خاصة جنوب إسبانيا- مع الإسباني بلاس إنفانتي الذي أعدمه اليمين الإسباني المتطرف سنة 1936، وذلك في كتابه الذي نتمنى أن يُترجم إلى اللغة العربية عن “النظرية الأندلسية.”

ويمكننا القول إن أهم أسس هذه الهوية خمسة:

1-الإسلام والعربية: ديناً أو ثقافة.

إذ “زحزحت اللغةُ العربية اللاتينيةَ عن عرشها الأول كما زحزح الإسلام المسيحيةَ، وصارت اللغة العربية هي اللغة الرسمية ولغة العلم والثقافة، كما صار الإسلام هو الدين الرسمي كذلك.” كما يقول أ.حسن دويدار. بيد أن العامية الإسبانية، وهي الرومانثية، كانت عاملا مهما أيضا في تشكيل هوية الأندلسيين، خاصة في المرحلة المتأخرة، حيث انتشرت بين المسلمين.

أما الإسلام فكان عامل توحيد ديني للمسلمين، وكان لغيرهم ثقافة وحضارة.. وبهذا المعنى كان موضع إجماع ومصدرا مشتركا للجميع.

2-الأرض:

فالجزيرة الإيبيرية منطقة واحدة ومعزولة نسبيا، إذ يحدّها من الشمال جبال البرانس (البرينيه)، ومن الجنوب والشرق والغرب البحران: الأطلسي والمتوسط.

ولا يمكن إغفال أثر مشكلات الأرض وعدم وضوح وضعها التشريعي في التشويش على هذا العنصر الجامع، أي الجغرافيا، إذ نشأت خلافات بسبب تساهل الحكم الأموي في البداية في تنظيم ملكية الأراضي. يقول الفقيه الداودي من أهل القرن الرابع: “أما أرض الأندلس فقد طعن فيها بعض الناس وزعم أنها أو أكثرها فُتحت عنوة، وأنها لا تخمس، ولم تقسم، غير أن كل قوم وثبوا على طائفة منها بغير إقطاع من الإمام ولم تُترك لمن يأتي من المسلمين. فإن كان الأمر على هذا، فالواجب على من بيده شيء من ذلك أن يتبرأ منه فيكون في مصالح المسلمين، وله أن يؤدي كراءه..الخ.” ويبدو الأمر واضحا إذا قارنّا مثلا أرض الأندلس بأراضي العراق التي لم تعرف أيّ مشكلات مذ قرّر الخليفة الراشدي عمر عدم تقسيمها.

لكن مشكلات تملك الأرض خفّت مع الزمن حتى انتهت تقريبا. وساعد على ذلك حركة السكان الدؤوبة وانتقالهم المستمر، إذ كان استيطان الأرض حرا، أي بمقدور كل جماعة مهاجرة أن تستقر حيث شاءت، وبالتنسيق طبعا مع الولاة. لذلك تفرق العرب والبربر في أنحاء الأندلس، فسكنوا السهول والجبال، والمدن والقرى، ومارسوا أنشطة تجارية وفلاحية وحرفية متنوعة.. وقد لخص جيدا ابن الأحمر خريطة الاستقرار هذه بحسب كل طائفة.

ولابد أن نشير إلى عنصر فائق الأهمية في صهر المكونات الأندلسية في بوتقة واحدة أو على الأقل متقاربة، وهو: اتساع حركة التمدن بالجزيرة، وقد لاحظ ابن خلدون أن التمدّن في الأندلس أكثر بكثير منه في المغرب. لقد عمّر المسلمون المدن القديمة وبنوا عددا كبيرا من المدن والقرى الجديدة، مما أتاح للسكان تجاورا امتدّ لأجيال مع ما له من آثار في التلاقح وتبادل العادات والخبرات والتأثير والتأثر. كما لا يخفى أثر المدينة في انتشار التعليم بين صفوف العوام.

إذن على هذه الأرض وفي مدنها العديدة تشكلت طبقة العامة وعاشت، يقول الطاهري: “تقدم المصنفات التاريخية التي تناولت المراحل اللاحقة (أي بعد الخلافة الراشدة) القرائن الدالة على تزايد أهمية العوام وإن بدرجات متفاوتة طوال العصر الوسيط. ويبدو أن النمو الحضري والتطورات الطارئة على بنية وخصائص ودور المدينة الإسلامية قد وفّر المناخ الملائم لانطلاق فعالية هذه الفئات المغمورة على كافة المستويات. في حين ساهمت الشروخ التي مست البنيات القبلية والعشائرية وتراجع أهمية النسَب في تحديد المواقع الاجتماعية في إعادة هيكلة العلاقات الاجتماعية على أسس جديدة ومتداخلة في نفس الوقت مع الأسس القديمة. وتقدم الأندلس في عصر الخلافة الحقل النموذجي لمعاينة هذه الحقيقة. فعلى المستوى الاجتماعي تمكن عوام قرطبة من التميز كطبقة عن بقية الشرائح الاجتماعية، في حين تجاوزوا سياسيا مستوى التأثير والمشاركة في صيرورة الأحداث إلى التحكم في مصير البلاد بالسيطرة على مقاليد السلطة أكثر من مرة.”

3-الحرية:

تبدو أهمية هذه القيمة العظيمة في الاستقلالية المفرطة للشخصية الأندلسية، فلم يظهر في الأندلس على سبيل المثال حكام مستبدون، على نحو ما تقول به مثلا نظرية الاستبداد الشرقي على علاّتها. لذلك يفسر ابن الخطيب بعض ثورات الأندلس بـــ”علو الهمم وشموخ الأنوف، وقلة الاحتمال لثقل الطاعة، إذ كان من يحصل بالأندلس من العرب والبرابرة أشرافا يأنف بعضهم من الانقياد لبعض.”  فكان الحكم في كثير من الفترات لامركزيا، كما أن الجزيرة أرض واسعة، وكل منطقة لها بعض الخصوصيات الثقافية واللغوية والحضارية.. وهذا ممّا يفسّر صعوبة انقياد البلاد لحكم العاصمة. وساعد على ذلك وجود الأنهار الكبيرة وأثرها في التقسيم الطبيعي للجزيرة الإيبيرية، لذلك صارت أقاليم وجهات.

4-الحضارة:

فالتحضر، سواء كان بمعنى العمران والبناء ونمو العلوم والصناعات.. أم كان بمعنى التأنق والرقيّ في العادات والحياة.. كل ذلك ممّا اشتهرت به الأندلس وصدّرته إلى غيرها من بلاد المسلمين وغير المسلمين.

 

5-التسامح وقيم العيش المشترك:

وأمثلته في تاريخ الأندلس كثيرة ومشهورة، غير أننا نشير إلى المظاهر الأقل شهرة. ومنها أن الأندلس كانت موئلا للهاربين من الاضطهاد الديني والعرقي والسياسي بالممالك المسيحية بالشمال، أي كانت أرض لجوء بالتعبير المعاصر. ففي الصراع بين القشتاليين والأراغونيين مثلا كان المهزوم يلجأ إلى حليفه من أمراء الأندلس. كما استقبل بنو الأحمر بمملكة غرناطة الذين فرّوا من اضطهاد الكنيسة الرسمية، وهم خليط من اليهود والمسيحيين. ومنهم ألفونس دي ميلا الذي قال بوجوب تدبّر التوراة وتأويلها، ففرّ إلى غرناطة.

كذلك كان للتجارة أهمية خاصة في تحقيق هذا التعايش، إذ قام التجار الأوربيون والأندلسيون بتبادل السلع عن طريق مدن الأندلس البحرية. كما كان للعلم الأندلسي أثره الكبير في التقريب بين مختلف الطوائف والطبقات، إذ كان مشاعا ومتاحا في المدارس والمعاهد لا يُمنع منه أحد.

ولا يَشْكل على هذا كله ما يسمى بحركة الشعوبية، لأنها في المحصلة النهائية حركة هامشية في تاريخ الجزيرة.

الشعوبية بالأندلس:

الشعوبي هو الذي يُصغّر شأن العرب، ولا يرى لهم فضلا على غيرهم، بل يكرههم ويحط من شأنهم ومن تاريخهم ولغتهم وثقافتهم. فهي حركة عنصرية كان لها مظاهر متنوعة، بعضها ثقافي فكري وبعضها ثوري عسكري كالحركتين الخرمية والبابكية.

وقد نشأت الشعوبية أساسا بين الفرس، ونقلت إليهم أفكارا وتقاليد لا تمت إلى الدين وأصوله بصلة، فتأثر بها قسم منهم. لكن بينما ظهرت الشعوبية بالشرق، فإنها لم تظهر بالغرب الإسلامي حيث شكل الأمازيغ أهم كتلة سكانية دخلت الإسلام واحتكت بالعرب، كما أنها لم تظهر بالأندلس إلاّ بشكل محدود جدا، مع تنوع مكوناتها الاجتماعية وتنازعها أحيانا، كما عند ابن القوطية صاحب “تاريخ افتتاح الأندلس” من أهل القرن الرابع. لذلك كتب د. حسين يوسف عن الميل الشعوبي لبعض المولدين: “يتميز هذا الميل بحرصه على الانسجام مع الإسلام، على العكس من شعوبية المشرق حيث نرى الشعوبيين فيه من الملاحدة والزنادقة في أغلب الأمر.”

وقد يجد المؤرخ وقائع لسوء تفاهم بين جماعات عربية وأخرى أمازيغية، بل قد يصل ذلك للصدام المسلح، وقد يجد ثورات بربرية كما بالأندلس في نهاية العصر الأموي، مع أنه ليس من الواضح عند المؤرخين أسباب بعض ثورات البربر، فهذا الجانب غامض نسبيا من التاريخ. أو يجد حركة تحمل سخطا خاصا على العرب كما فعل أبو عامر ابن غرسيه في الأندلس بالقرن الخامس الهجري في رسالته التي تعتبر أهم أثر شعوبي في تاريخ الأندلس.. لكن هذا كله لم يتجاوز المستوى السياسي الصّرف، وكان عابرا وعاديا ولم يؤسس لظاهرة شعوبية خاصة بالمغرب والأندلس. بل كان للصقالبة دور مشهود في الجهاد البحري وغيره. أما البربر فيتفق المختصون على أنهم قاموا  –بعد مقاومة مؤقتة للفتح العربي- ببناء علاقة جد مميزة مع الثقافة الإسلامية، لذلك يعتبر  الأستاذ الـــــمُتَمزِّغ عبد الله بونفور أن انتماء الأمازيغي إلى الدولة والحضارة العربية-الإسلامية هو اختيار ذاتي، وأنه لذلك لم يكن الذي قاد عملية التعريب الجزئي واتخاذ العربية لغة للحضارة والكتابة.. غير الأمازيغ أنفسهم. ثم تتنوع تعليلات هذه الظاهرة.

 

من الواضح أن الأمازيغ قاموا بالعمل المعاكس تماما لما قام به بعض الفرس. فقد اختاروا لأنفسهم الإسلام دينا والعربية لغة رسمية، واندمجوا مع الهجرات العربية المتلاحقة، وأسسوا نموذجا فريدا في العالم الإسلامي، لأنهم احتفظوا أيضا بلغتهم وجزء مهم من ثقافاتهم وعاداتهم. بينما تقوّت الشعوبية بالشرق، وانتهت أخيرا بالفصل بين العرب والفرس فصلا عميقا زاده التشيع الإمامي المتطرف قوة وخطورة خاصة بعد القرن 16 ميلادي لدرجة أن جزءا من التوترات الحالية بين إيران وجوارها العربي يرجع إلى هذه الشعوبية القديمة وآثارها المستمرة.

لذلك ربما كنّا نبالغ في تصوّر الصراعات الأندلسية البينية، وربما كان للكتب أثرها الحاسم في ذلك، ونحن بعيدون زمنيا عن تلك الفترة فلا نعرف إلا ما نقله الكُتّاب. ذلك أنه لا يمكن في طبائع العمران أن يصمد مجتمع ما ثمانية قرون في وجه خصوم أشداء يرقبونها على الحدود باستمرار دون أن تكون لهذا المجتمع قوة ذاتية في حدودها الدنيا. لعل د.حسين يوسف استشعر هذا بقوله: “الحق أنه رغم تعدد العناصر السكانية في الأندلس، ورغم الاختلاف فيما بينها في نواحي شتى، إلا أن الروابط القوية، وبخاصة روابط الإسلام والعروبة، كانت تشدّ أغلبها في كثير من الأحيان، وتطبعها بالطابع الأندلسي المميز حتى من لم يدخل منهم فيه. فقد كانت هناك دائما البيئة المشتركة والثقافة المشتركة، وكانت هناك غالبا الحكومة الواحدة، والسياسة الموحدة، ثم كانت هناك الحضارة التي صبغت هذه العناصر على اختلافها بصبغتها الواضحة(..) فالحضارة الإسلامية في الأندلس هي نتاج ذلك التفاعل والتبادل بين كل هذه العناصر البشرية التي عاشت على أرضها وانصهرت غالبا في بوتقتها حتى أصبح لها شخصية مميزة شملت مختلف العناصر، هي الشخصية الأندلسية.”

يتبع…

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *