أخبار

مشاهدات من إسبانيا في زمن الكورونا

تعرض بيدرو سانشيز رئيس الحكومة الإسبانية لانتقادات لاذعة وساخرة ليلة إعلانه فرض حالة الطوارئ في البلاد، بملامح جامدة وجادة تليق بالحدث الجلل تفضل الرئيس بتعداد إستثناءات الحظر:
محلات المواد الاستهلاكية الاساسية، الصيدليات، النظاراتية، أكشاك الجرائد، محطات الوقود و…. محلات تصفيف الشعر!
قلت ربما الرجل لانشغاله على زوجته وعلى الكثير من أعضاء حكومته المصابين بالفيروس اخطأ في قراءة الخطاب من على الشاشة أمامه !
حتى خرج العاملون في القطاع مستنكرين عليه القرار وتعريضهم للخطر وهم يفتقدون كل وسائل الحماية واولها مسافة الأمان على اعتبار انهم بشر لا يملكون أيادي وأذرعا تتمدد مسافة المتر الواجبة مع الزبون ..
ثم من سيخرج من بيته ليصفف شعره او يحلق ذقنه ويضع صبغة ليعود أدراجه مطبقا الحجر الصحي؟
في اليوم التالي انبرى بعض “المتفلسفين” في الدفاع عن القرار خدمة للأشخاص المسنين او ذوي الإعاقة..
لكن الكل يعرف ان هذه الفئات تحديدًا اكثر عرضة للإصابة وبالتالي فإن الحجر الصحي واجب عليها.
طبعا القرار كان سقطة وهفوة وربما اتخذ بتسرع ودون تفكير جدي في شروط السلامة الواجبة.
المشهد في اسبانيا لا يبشر بخير أبدا والحكومة المركزية تحركت متأخرة جدا وهي ترى ظهور أولى المصابين في البلاد أكثرهم قادم من إيطاليا: فإلى جانب العلاقات الاقتصادية القوية التي تربطها بإيطاليا، للشعب الأسباني علاقات اجتماعية وأواصر عائلية و تاريخية متشعبة مع الطليان اكثر من فرنسا والبرتغال جيرانها الأكثر قربًا.و حينما اتسعت رقعة المرض من لومبارديا للجنوب الإيطالي وقفزت الأرقام بسرعة مخيفة، اسبانيا لم تتخذ قرارا بالحجر الصحي على القادمين جوًا ، لم تخفض من عدد الرحلات اليومية التي تربطها مع إيطاليا والتي تتجاوز 130 رحلة في الغالب. تركت الامور تسير بها للكارثة ولم تتحرك رغم نصح رئيس الحكومة الإيطالي السابق رينزي Renzi لجيرانه وتحذيره لهم بان النار ستمسك في تلابيبهم بعد أيام.. هكذا كان .. لم يمضي اكثر من أسبوع على حديثه حتى اجتاح التسونامي الكوروني اسبانيا. لتقفز لأزيد من 13.000 حالة إصابة ومعدل وفيات يصل 7% في مدريد وحدها.
مشكلة البلدان الأوربية خصوصًا بلدان حوض المتوسط هو اخذها الامور ببساطة، وعاداتها الاجتماعية تشبهنا نحن العرب ، فهي شعوب تحب “الأحضان” والعلاقات الاجتماعية والأسرية وتحب اللمة والتجمعات وتحب الفرح والصخب والحياة من منطلق انها مجتمعات يتمتع فيها الفرد بهامش حرية مطلقة حصل عليها بعد معاناة طويلة من سنوات حكم فاشي قيدها، وهنا يتجلى الفرق مع روسيا او الصين مثلا: فكلنا شاهد فيديوهات للتعامل الصارم مع المشكوك فيهم من المتمردين في جمهورية الصين الشعبية وكيف “يقنصهم ” الجيش بشباك يقيد الحركة ويوضع المتمرد في “صندوق طبي خاص”..
هنا الأمر مختلف ، الإجراءات المعلن عنها لا تطبق ، الناس تخرج للشارع لتتمشى.. بعضهم استغل اليوم المشمس ليذهب في رحلة شواء، اخرون اليوم مثلا علقوا في الغابة لخروجهم في رحلة صيد، مسنون يخرجون لتحديث دفتر التوفير! هذه التصرفات اللامسؤولة أخرجت أصواتًا تطالب بإنزال الجيش للشوارع بدل الشرطة التي لا تؤخذ على محمل الجد.
المؤكد ان ما يجري في العالم سيغير أنظمة كثيرة ..سيعدل ميزان القوى .. سيسقط رؤوسا أينعت خصوصًا في شجرة الرأسمالية المتوحشة التي لاترحم: ربما استعاد قطاع الصحة سمته العمومية واستعاد أهميته في الميزانية المخصصة له وللبحث العلمي عموما على اعتبار ان العالم اليوم بأحزابه السياسية وأيديولوجياته حتى الأكثر تطرفًا يرى ان الصحة مسألة أمن قومي وعالمي وحق أساسي للفرد.
وربما غير الوباء من قومنا ومما في قلوبهم …

أمال بلكا، مدريد 17/03/2020

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *