أخبار

ظلال القــيامة وغـيوم الــنهاية

 

الدكتور إلياس بلكا

يتساءل بعض الناس عن القراءة الممكنة لأوضاع العالم في ظل ما وقع ويقع فيه طيلة العقود الماضية.

بداية لابد أن نعرف أن الأصل في المسلم أن ينشغل بواجبات الوقت، أي ينظر إلى ما فرضه الله سبحانه عليه الآن فيمتثل له. لذلك ليس من الملائم أن يترك المرء فرائض الوقت ويهتمّ بما سيأتي، فهذا من علامات البطالة والكسل والتمنّي. إن الزمن عند بعضهم يكاد ينحصر في المستقبل، أعني من كثرة الانشغال به ونقل جميع القضايا والأعمال إلى المستقبل. وهذا خطأ، إذ كيف نعتمد على شيء لم يوجد بعد ولايعرفه أحد على وجه اليقين. بالمقابل يوجد ناس آخرون يعيشون الماضي حتى صاروا أسرَى له،رغم أنه لايوجد الآن، حيث انقضى وصار في العدم. لذلك أوْلى الأزمنة بالاهتمام والعيش هو الحاضر.من هنا قالوا: المسلم أو الصوفيّ ابن وقته.قال ابن عجيبة: يريدون أنه مشتغل بما هو أوْلى به في الوقت،

لا يدبّر في مستقبل ولا ماض، بل يهُمّه ما هو فيه.

لكن الحديث عن المستقبل يجوز في حالتين: الأولى أن يكون إخبارا بأحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام التي جمعها أهل الحديث في كتب الفتن والملاحم وأشراط الساعة، لكن فهم هذه الأخبار يحتاج إلى علم راسخ وفقه سديد حتى لا يُسقط بالخطأ بعض هذه الأحاديث على أحداث تقع اليوم. والحالة الثانية أن يكون بمنهج علمي متوافق عليه بين الخبراء وأهل المعرفة، فلا يكون مجرد تخرّص ورجم بالغيب. لذلك كان العلم المعروف بــ”استشراف المستقبل” أو “المستقبلية” علما مشروعا رغم تواضع نتائجه في كثير من الأحيان.

إن مجال الغيب من اختصاصات الألوهية، لذلك يتهيّب العلماء من الكلام فيه، إذ مشيئة الله سبحانه مطلقة لا يقيّدها شيء، فالله يفعل ما يشاء كيفما يشاء ومتى يشاء… ولا يوجد علم يحيط بهذا الإطلاق. بل حتى لو أَطلع الله عبده على غيب ما، وهذا وارد وواقع، فإنه يمكن أن يغيّره إذا كان ذلك من لوح المحو والإثبات لا من اللوح المحفوظ، إذ الغيوب الإلهية مكتوبة في لوحين عظيمين: الأول قد تتبدّل بعض مكتوباته، والثاني محفوظ من ذلك. وبهذا فسّر بعض المفسرين قوله تعالى: { يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب.} وهذا يقتضي أن هذا المجال يحتاج إلى علم واسع وإلى أدب راسخ وإلى توفيق إلهي خاص.

إذن نقول بعد هذه التحفظات وغيرها ممّا لا يتّسع المجال لذكره هنا: يمكن معرفة الصورة العامة لمستقبل ما تبقّى من عمر البشرية، وهي مفيدة جدا لكل مسلم، بل يستطيع أن يبني عليها أموره، خاصة منها المبادرة إلى التوبة وعدم الاستغراق في شؤون الدنيا. لكنّنا لا نستطيع أن نحدّد تواريخ معينة، فنقول سيقع كذا سنة كذا، فهذا مُجانب للأدب مع الله، إذ هو سبحانه لا يقيّده شيء، لذلك حسبُنا الصورة العامة فقط.

يظهر من النصوص، خاصة من أحاديثالنبيﷺالمتعلقة بالبشارات والإنذارات بآخر الزمان… أننا في آخرِآخرِ الدنيا، أي في نهاية النهاية. فهو عليه السلام قال: بُعثتُ أنا والساعة كهاتين وجمع بين أصبعيه.. فكيف بنا بعد 1400 سنة من بعثته؟

كذلك عصرنا هذا يشكّل ذروة التفوق المادي وظهور الاختراعات والصناعاتوالتفنّناتالدنيوية.. وهو في الوقت نفسه ذروة الانحدار الديني والأخلاقي والفكري لأكثر البشرية.. لذلك تقريبا استنفدت الإنسانية ما عندها من الخير. وهذا ما يشعر به أيضا المفكرون وعلماء الإنسان المعاصرون لنا، فكتبوا عن: نهاية الديموقراطية. نهاية الدولة. نهاية الإنسان. نهاية التاريخ…الخ. لذلك الأمريكي فوكوياما لم يخطئ من جميع الوجوه في كتابه المشهور، بل إن الجزء الأكبر ممّا قاله صحيح وأن إنسان اليوم هو الإنسان الأخير. وقد جاء تفصيل هذا في مقالنا السابق بهذا الموقع (الطفرة) عن “موت الإنسان في الفلسفة الحديثة.”

والله سبحانه له حكمة من خلق البشر ومن توليَته الخلافةَ، فإذا فسُدَ أنهى هذا الخلق وأوقفه. فهذا التكليف له أجل محدّد وليس مفتوحا إلى ما لا نهاية. لذلك الجوّ العام في هذا الزمان هو: النهاية.

وبعض المسيحيين اليوم عندهم شعور وقناعة بهذا، خاصة الإنجيليين، كذلك بعض اليهود،لذلك تشتدّ المؤامرة على القدس. وكذلك الشيعة الإمامية لهم هذا الإيمان.

لكن هذه النهاية تحدث بالتدريج، بمعنى أنّها تستغرق أعمار أجيال، فلا تكون في جيلٍ واحد.لذلك ستستمرّ الفتن والزلازل، ويكثر القتل والفوضى، وتظهر الأوبئة والمجاعات، وتحدث حروب مدمرة…وهذا نعيشه في زماننا هذا وسيعيشه من يأتي بعدنا… حتى يوقف الله سبحانه كلّ ذلك بظهور الخلافة الراشدة. لذلك فالحديث المعروف في مسند أحمد: تكون نبوة، ثم خلافة ثم ملك.. ثم خلافة على منهاج النبوة؛ وفي أحاديث أخرى أنّهاستعمّ الأرض.. هذا حديث نبوي صحيح. لكن المقصود بهذه الخلافة العامة ليست الخلافة التي تسعى لها بعض الجماعات الإسلامية منذ أيام الشيخ حسن البنا، بل هي خلافة المهدي عليه السلام.

وتبقى هذه الخلافة العظيمة فترة ويتوارثها رجال بعد المهدي زمانا. ثم تنحدر الأمور إلى الفوضى والفسق والكفر شيئا فشيئا حتى ترتدّ البشرية إلى أسوأ حال. ويقدّر الله تعالى رفع الدين وشعائر الإسلام بالتدريج حتى لا يبقى منها شيء، ويُرفع العلم كما قَالَ رَسُولُ اللهِﷺ: “إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ.”رواه الشيخان.

ثم ذات ليلة يستيقظ المسلم فلا يجد في صدره سورة واحدة من القرآن، فقد نسي كل شيء. ففي الحديث الذي رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: “إن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن ينزع منكم،فقيلله: كيف ينزع منا وقد أثبته الله في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا ؟قال: يسري عليه في ليلة فينزع ما في القلوب ويذهب بما في المصاحف ويصبح الناس منه فقراء،ثم قرأ قول الله تعالى: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ.)”

ويستمر الرفع التدريجي لشعائر الإسلام حتى لا يبقى بأيدي الناس إلاّ الشهادتان. فعن حذيفة بن اليمان قال عليه السلام: يَدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب (أي يندثر) حتى لا يُدرى ماصيامٌ ولاصلاة ولانسك ولاصدقة، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة لايبقى في الأرض منه آية وتبقى طوائف من الناس،الشيخ الكبير والمرأة العجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة “لا إله إلا الله ” فنحن نقولها. فقال صلة بن زفرل حذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلاالله وهم لايدرون صلاة ولاصياما ولاصدقة ولانسكا؟ فأعرض عنه حذيفة،ثم ردّدها ثلاثاً كل ذلك يعرض عنه حذيفة. ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: ياصلة تنجيهم من النار،تنجيهم من النار،تنجيهم من النار. (رواها بن ماجة والحاكم وصححه و وافقه الذهبي.)

ثم تأتي الريح الطيبة فتجمع أرواح المؤمنين فلا يبقى منهم على وجه الأرض أحد. ثم تكون القيامة حين ينفخ إسرافيل نفخة الصعق.

وحين تقوم الساعة يرجع كل شيء إلى الله سبحانه، كما صدر عنه كل شيء أوّل مرة، وينتهي كل شيء. ثم يُخرج الله سبحانه عالما جديدا بقوانين جديدة وحكمة جديدة: { يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ.} ونفخة إسرافيل الثانية هي إيذان بذلك. فيظهر الناس من جديد ويُبعثون، ويكون العالم العظيم:  عالم الآخرة.

لذلك تخوّفُ بعض الناس من وباء كورونا وما تسبّب فيه من تعطيل للحياة وأنه إنذار بالنهاية.. هذا تخوّف مشروع وفي محلّه، وإن كان هذا الوباء عابرا وسينتهي ولابدّ. لكن الشعور العام الذي أحدثه في أكثر الناس في العالم باقتراب النهاية شعور صحيح، نعني أن له أصلا صحيحا، فهو ليس مجرّد قلق عادي له أسبابه الظاهرة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *