أخبار

من الإنسان إلى شبه الإنسان

الدكتور إلياس بلكا

 

ماذا يحدث للإنسان حين تنقطع صلته بربّه، أو تكاد؟ إنه لا يبقى بمرتبة الإنسانية، بل ينحطّ إلى درك الحيوانية.
هنا لا يبقى من الإنسان غير الجسم الذي يشترك فيه مع الحيوان، فيأكل ويشرب وينام ويتناسل… كالحيوان تماما: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾. لذلك هؤلاء لا تتجاوز حواسهم العالم المادي المنظور: ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا. ﴾
إذن يولد المرء في أحسن رتبة، وهي رتبة الإنسانية التي تختصر العالم كله، كما قال الشاعر:
وتزعم أنك جِرم صغير = وفيك انطوى العالم الأكبر
فإذا نكص عن طريق الله أسقطه سبحانه عن هذه الدرجة السامية وردّه إلى الأسفل: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.﴾ ولا يليق بعالم السفل إلاّ جهنّم التي هي سفلية أيضا: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ.﴾

هكذا يتحوّل الإنسان إلى شبه إنسان، إذ يحتفظ بالصورة البشرية لكنه من الداخل يكون قدْ فقد إنسانيته. وهذا هو الضياع الكبير. رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “يخرج في آخر الزمان رجال يختِلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب.” (سنن الترمذي، كتاب الفتن. سنده ضعيف.)


قال الشيخ ابن عربي في “الفتوحات” تعليقا على الحديث: هذا هو مسخ البواطن أن يكون قلبه قلب ذئب وصورته صورة إنسان.. وقد كثر مسخ البواطن في هذا الزمان. أي زمانه هو، فما بالك بما بعده.
إنه مسخ، لكنه مسخ باطني. إذ أصل المسخ في اللغة: تحويل صورة الى صورة أقبح منها، ويُطلق على تحوّل الخَلق وتشوّهه. فيتحوّل باطن الإنسان وِفْقَ ما في قلبه من الصفات الحيوانيّة. لذلك قال عليه السلام: أَما يَخْشَى الذي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمامِ، أنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمارٍ؟ (رواه مسلم.) فهذا المأموم كالحمار في الباطن ببلادته وتضييعه لعمله بلا داعٍ.
وقمة هذا الانحطاط عن مرتبة الإنسانية يكون مسخاً حقيقياً. وهذا على رأي جمهور العلماء الذين قالوا بوقوعه قديما، بينما ذهب الأقلّون إلى أن المسخ يكون معنويا فقط لا جسمانيا. وأصل ذلك هو الاختلاف في فهم قصة أهل القرية التي حكى الله أنه مسخ بعض أهلها، قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ، إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا، وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ. كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا؟ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ، وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ.﴾
إن هذه القرية المحاذية للشاطئ كانت على الديانة اليهودية التي تمنع العمل يوم السبت وتخصّصه للتعبّد، لذلك كان السمك يكثر في ذلك اليوم ويسهل صيده، فتحيّل بعضهم فكانوا يهيؤون المصيدة يوم الجمعة ويأخذون الحوت يوم الأحد. فعاقبهم الله سبحانه بالمسخ.
إن المسخ الباطني هو المقدمة والشرط للمسخ الظاهري الذي لا يكون إلاّ استثناءً نادرا جدا من باب خرق العادات، يحكي ابن القيم في كتابه “إغاثة اللهفان”: “قال بعض أهل العلم: إذا اتَّصف القلبُ بالمكر والخديعة والفسق، وانصبغ بذلك صِبغةً تامةً: صار صَاحبه على خُلًق الحيوان الموصوف بذلك من القردة والخنازير وغيرهما، ثم لا يزال يتزايد ذلك الوصف فيه حتى يبدوَ على صَفَحَات وَجْهِه بُدُوّاً خفيّا، ثم يقوى ويتزايد حتى يصير ظاهراً على الوجه، ثم يقوى حتى يقلبَ الصورة الظاهرة كما قلب الهيئة الباطنة، ومَن له فِراسة تامة يرى على صور الناس مَسخاً من صور الحيوانات التي تَخلّقوا بأخلاقها في الباطن، فقلَّ أن ترى مُحتالاً مكاراً مخادعاً خَتَّاراً؛ إلا وعلى وجهه مَسْخةُ قرد… وقلَّ أن ترى شرِهاً نَهِماً نفسُه نفسٌ كَلْبيّة إلاّ وعلى وجهه مَسْخةُ كلب، فالظاهر مرتبط بالباطن أتمَّ ارتباط، فإذا استحكمت الصفات المذمومة في النفس قويت على قلب الصورة الظاهرة.”


ولم تكن هذه العقوبة خاصة بالأمم السابقة فقط، بل صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ: مَسْخٌ وَخَسْفٌ وَقَذْفٌ.” (سنن ابن ماجه.) وفي رواية الترمذي: ” يَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ أَوْ مَسْخٌ أَوْ قَذْفٌ.” وروى أحمد في المسند عن الرسول الكريم أن طائفة من الأمة تبيت على شرب ولهو، ثُمَّ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، وَيُبْعَثُ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَائِهِمْ رِيحٌ فَتَنْسِفُهُمْ.. الخ.
والخسف هو انشقاق الأرض وابتلاعها لشخص أو بلد. والقذف هو الرمي بالحجارة.

ومن رحمة الله أنه لم يجعل للمُسوخ نسلا، لئلا يقع العقاب على غيرهم، ففي صحيح مسلم أن رَجُلا قال : يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ هِيَ مِمَّا مُسِخَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا، وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ.”

إن خلاصة حقيقة المسخ أنه فقدان للصلة بالله، ويكون المسخ الباطني بحسب نوع الانقطاع عن الله سبحانه، وقد تزيد المعاصي في هذا المسخ بحسب نوعها ودرجتها… لكن الأساس هنا هو القلب، فالقلب الذي لا يعرف ربّه ولا يتواصل معه يكون قلبا ميّتا. وبذلك يصبح الإنسان شبه إنسان.
وسنرى في المقالات القادمة كيف يكون المسخ المعنوي، وكيف اهتمّت الآداب الحديثة والفلسفة المعاصرة بتِيمة مسخ الإنسان، أو ما يطلق عليه بعضهم: موت الإنسان.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *