أخبار

موت الإنسان في الفلسفة الحديثة

الدكتور إلياس بلكا

 

كان ما يُطلق عليه عصر الأنوار بأوربا مجرّد مرحلة في تاريخ الفكر الفلسفي بالغرب الحديث. لقد كانت الأطروحة المركزية لهذا التيّار هو إعادة الاعتبار إلى الإنسان بجعله مركز العالم وسيد الكون بحيث يكون هو المقصود من كل نشاط بشري على الأرض، بل يكون هو المعبود بالمعنى الذي دعا إليه أوجست كونت حين أسّس ما يسمى بـ”ديانة الإنسانية.” لذلك اهتمت فلسفة الأنوار بالعقل، واعتبرته -مع الحسّ- المصدر الأساس بل والوحيد للمعرفة. لذلك فالحداثة -وهي بنت الأنوار- أعلتْ من شأن العقل حتى ألّهته.

لكن هذا أيضا كان طورا عابرا في التاريخ البشري، خاصة الغربي، إذ جاءت ما بعد الحداثة فأسقطتْ كل القيم والمثل.. وألغتْ كل “المُتعالي” من الحياة. وكان العقل أو الروح ممّا أسقطته أيضا. فلم يعد الإنسان “جسما حيوانيا حيّا له القدرة على التفكير،” أي لم يعد الإنسان جسدا وروحا كما كان يؤمن الناس قبل عصرنا هذا، بل أصبح الإنسان جسما حيوانيا وكفى. صحيح أنه يجيء في أعلى درجات المملكة الحيوانية، لكنه يبقى حيوانا.
وقد تعاونت فلسلفات كثيرة على هدم الصورة السائدة عن الإنسان، فالفيلسوف الألماني نيتشه مثلا اعتبر أن الإنسان يفكّر بالجسم لا بشيء مجرّد يسمى روحا أو عقلا، بمعنى أنه أرجع عمليات الفكر البشري كلها إلى آليات وأعمال داخلية للجسم الإنساني. هكذا غدت الوظيفة الفكرية عملية بيولوجية. وساعد تقدّم الطب في القرن التاسع عشر ودراسات الدماغ واكتشاف علم الخلايا.. على هذه الانعطافة الكبرى في فهم الإنسان لنفسه.
كذلك أسهمت الماركسية بطريقتها الخاصة في اختزال الإنسان في الكائن المادي المنظور، حين لم تعترف بغير المادة المحسوسة، وأنكرت كل وجود وأثر لما وراء الطبيعة.
وهذا ما يفسّر احتفال عالم ما بعد الحداثة أيّما احتفال بنظرية التطور الداروينية، لأنه رأى فيها دليلا “علميّا” على حيوانية الإنسان، وأنه لا يختلف عن سائر الحيوانات إلاّ بتربّعه على قمة مملكتها. فهو “الحيوان الأعلى” قياسا على فكرة نيتشه الذي دعا البشرية إلى التحوّل إلى نموذج “الإنسان الأعلى” والذي هو عودة إلى الطبيعة المادية الأصلية التي تتميّز أكثر ما تتميّز بإرادة القوة، كما بكتابه “أصل الأخلاق وفصلها.”
كانت هذه وسواها إرهاصات الوعي بنهاية الإنسان.

ثم جرى إما تهميش بعض الحقول المعرفية التي ظلت وفيّة لفكرة أن الإنسان روح وجسد، أو تأويل معطياتها المشاكسة، أو دفعها في اتجاه البحث الكمّي الظاهري، وذلك كالعلوم الإنسانية على العموم، والأنثروبولوجيا وبعض فروع علم النفس على الخصوص… ناهيك عن حقول الأديان واللغات والتاريخ.. الخ.

ثم جاءت الحربان الكونيتان فكان فيهما من الوحشية والمجازر والدمار ما جعل كثيرا من أهل الفكر يكفرون بالإنسان، ويكفرون بالعقيدة السائدة في القرنين 18و19: التقدّم.
وظهرت الآلة في الصناعة، ثم سرعان ما امتدّت إلى جميع مناحي الحياة اليومية للناس، فأصبحت الآلة تتحكّم في البشر، ثم انتقل التحكّم على التكنولوجيا، وأصبح الإنسان مجرّد رقم من جملة الأرقام الكثيرة والتي هي بلا معنى. وهذا ما حاول الكوميدي الإنجليزي شابلي شابلان تجسيده في مسرحياته الساخرة.

وبعد انتهاء الحرب انتصرت الرأسمالية وتوحشّت وصار المال سيّد العالم، وتراجع الإنسان لصالح السلعة، بل أصبح نفسه سلعةً من السلع، وأحيانا كان هو السلعة الأرخص.
كل هذا وغيره كثير جدا سجّله مفكرون وعلماء وفنّانون وأدباء وسياسيون.. كل بطريقته وفي لغته الخاصة. واتفق هؤلاء كلهم على أن الوعد العظيم الذي بشّرت به الحداثة الغربية لم يكن عظيما، وأن الذي حصل ليس فقط “موت الإله” كما بشّر بذلك نيتشه، وهو يرمز بذلك إلى أن الحضارة الحديثة قطعت صلتها بالخالق و”استقلّت” عنه… بل حصل أيضا “موت الإنسان.” فمن الإنسان المتديّن إلى الإنسان العاقل إلى الإنسان/الحيوان.. في الأخير لم يبق شيء من مُسمّى الإنسان… لقد مات الإنسان وانتهى.
كتب عن ذلك من فلاسفة ما بعد الحرب الثانية: هايدغر، ولاكان، وألتوسير، وهابرماس، وريكور، وجاك دريدا، وميشيل فوكو، وكلود ليفي شتراوس…
وكتب عن ذلك أيضا من المفكرين المسلمين: محمد إقبال، وسيد قطب، وأبو الحسن الندوي، وإسماعيل الفاروقي، والسوداني محمد حاج حمد خاصة في كتابه عن “العالمية الإسلامية الثانية”… الخ

وكتب عن ذلك من المفكرين المتأخرين فوكوياما في كتابه الشهير “نهاية التاريخ، والإنسان الأخير،” حيث لم يعد الإنسان يفكّر ويبدع، بل حسبه أن يستهلك ويستمتع بشهواته، لذلك أصبح –كما قال المؤلف- بمثابة “الكلب السعيد.” كما نشر بعده كتابا آخر عن أثر التكنولوجيا على مصير الإنسان.

كما كتب الأستاذ المغربي عبد الرزاق الدواي كتابا خاصا في الموضوع:

وفي الأدب نستحضر رواية “فرانكشتاين” لماري شيلي والتي حذّرت مبكرا من وهْم تحوّل الإنسان إلى إله. وروايات جورج أورويل، وبعض أعمال الأمريكي كونديرا، وروايات الأدب الوجودي.. الخ

ونضرب هنا مثالا برواية الألماني التشيكي فرانز كافكا: “الانمساخ”، حين تصوّر تحوّل بطل القصة غريغوري سامسا إلى حشرة، كأنه يشير إلى التحوّل الهائل الذي طرأ على الإنسان في عصر ما بعد الحداثة.


إنه من الخطورة بمكان اختصار الإنسان في البعد الحيواني، وتجاهل أحسن شيء وأهم شيء فيه، وهو: الروح… فهذا يؤدّي إلى انهيار القيم وغياب المعنى وفقدان الكرامة.. ومن ثمّ إلى العبثية والعدمية حيث يصبح الحيوان الأصلي أعلى -من حيث الحقيقة- من الإنسان نفسه الذي يغدو شرّ الحيوانات وأخطرها على البلاد والعباد. كتب ابن تيمية مرة في فتاويه: “الله تعالى قد جعل الإنسان مخالفاً بالحقيقة للحيوان، وجعل كماله وصلاحه في الأمور التي تناسبه، وهي جميعها لا يماثل فيها الحيوان، فإذا تعمّد مماثلة الحيوان، وتغيير خلق الله فقد دخل في فساد الفطرة والشرعة، وذلك محرم.”
مسكين حين يتوهّم الإنسان أنه قادر على الاستغناء عن الله، وأنه سيعيش سعيدا بدون الله… وهيهات ثم هيهات. لا شيء في الوجود يمكنه أن يستقلّ عن خالقه لا في ذرة ولا في ثانية: ﴿يا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ. كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَاماً كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ.﴾

الدكتور إلياس بلكا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *