عبد القادر الشاوي العنوان العريض للأدب والنضال

 هو عنوان تجربة خاصة ومرحلة تاريخيّة طبعت الوعي المغربي منذ السبعينيات. كثيرون يعرفونه داخل المغرب وخارجه، بدءاً برفاقه الكثر على درب النضال السياسي الذي أدخله دهاليز الخيمة الإسمنتية محكوماً بثلاثين عاماً، فلم يغادرها إلا بعدما قضى نصف ما حوكم به. 15 عاماً من عمره أمضاها بالسجن المركزي في القنيطرة.

محمود عبد الغني:

ينتمي عبد القادر إلى الذين يجدون أنفسهم باستمرار داخل حالة انتقالية، يصعب فهمها أو شرحها وتبسيطها. لذلك فإن ذاكرته قوية. فهي كل شيء أو أصل كل شيء. ولذلك كرّس الشاوي جزءاً كبيراً من نشاطه الفكري والإبداعي كي يثبت أنّ الكتابة هي انفتاح على الذاكرة التي هي بدورها جزء من العيش والتطور والتغيّر.

منذ الثمانينيات، أصدر هذا الكاتب والروائي المغربي مجموعة من الكتب والدراسات الأدبية والفكرية. ما زال القرّاء العرب يذكرون ربّما ذلك العمل المفاجئ الذي صدر من دمشق بعنوان «سلطة الواقعية» (1981 ــــ منشورات اتحاد كتاب العرب). كانت رحلة لافتة قام بها الكاتب، ولمّا يتجاوز الواحدة والثلاثين، في رحاب مجموعة من النصوص الروائية الراهنة. بعدها مباشرة أصدر كتاباً نقدياً آخر هو «النص العضوي»، وكان عبارة عن دراسة مكرسة لمجموعة محمد برادة القصصية «سلخ الجلد». تلك الكتب كان الشاوي يبعث بمخطوطاتها إلى الناشر من بعيد، من خلف قضبان سجنه الرهيب بالقنيطرة. وقد كان لبرادة الدور الأكبر في نشرها.

وإمعاناً في تأكيد مركزية الذات والذاكرة، كتب الشاوي سيرته الذاتية وحكايته مع السجن تحت عنوان «كان وأخواتها» (1987). وطبعاً صادرت الرقابة الكتاب ومنعته من التداول سنوات عديدة، ما زاد من لهفة القرّاء وفضولهم، فتناقلوا طبعته السريّة المستنسخة. تلك السيرة التي تحوّلت إلى أسطورة، ضمّنها الشاوي تجربته، ومعاناته ونظرته النقديّة للصراع بمختلف وجوهه الإنسانيّة والفكريّة. وبعد تغيرات كثيرة حدثت في السلطة الرقابية سُمح لـ«كان وأخواتها» بالنشر والتداول داخل المغرب.

مباشرة بعد خروجه من السجن عام 1987، عمل الشاوي صحافياً بجريدة «الاتحاد الاشتراكي» في الرباط. الكاتب، الذي كان أستاذاً في الدار البيضاء ثم معتقلاً، صار محرراً بواحدة من أكبر الصحف المغربيّة وأهمّها. لكنّه لم ينجح منذ ذلك اليوم بأن يعود جزءاً من كلّ. بقي غريباً وخائفاً… ذلك القلق النفسي حمله معه متنقلاً بين الوظائف. استقال من الصحافة والتحق بوظائف أخرى، حتى تقاعد بصفته دبلوماسياً سابقاً.

يجسد الشاوي صورة نموذجيّة للإنسان المقاوم، للكاتب المحترف الذي يصدر كتاباً تلو الآخر، والذي كوّن لأدبه قراء ينتظرونه كل سنة. يكفي أن نستشهد بجملة من كتابه النقدي «المتكلم في النص»: «ليس لمعنى المقاومة أي تعريف آخر، إلا أن يكون من الناحية اللغوية، شرحاً وبناءً لمفهومي الانتصاب والمضادة اللذين يردان في المعجم للتعبير عن القوام والمقاومة».

اشتغل الشاوي سفيراً للمغرب ببلد بابلو نيرودا. اختير على الأرجح لتجربته السياسية، لكن أيضاً بحكم تجربته الأدبيّة. إذ إن التشيلي بلد السياسيين الأدباء والأدباء السياسيين، ولأن عبد القادر يستطيع أكثر من سواه أن يعيش إلى جوار تلك الأحلام القديمة، المجهضة التي حملها، ذات يوم، إلى العالم سلفادور أليندي.

محمد أمنصور

محمد أمنصور : عبد القادر الشاوي الذي بيننا

عبد القادر الشاوي إنسان أنيق في المظهر والمخبر. من يقترب منه يكتشف الطفل والشاعر والحكيم العميق والساحر الذي يملك موهبة الحياة. تستطيع في حوار واحد معه أن تسافر في الزمن عبر سنوات وعقود. تجربة الطفولة وتجربة النضال السياسي. تجربة السجن وتجربة النضال الثقافي. تجربة العمل (أو المنفى الاختياري) خارج الوطن وتجربة المرض والشفاء. ذاكرة قوية وذكاء حاد. صاحب بديهة مبهرة تثير الدهشة. كائن خفيف الروح ينفذ إلى أعماق القلب بسرعة. ساحر في صداقته لن تجد لوده ولطفه مثيلا. من الصعب إحصاء عدد أصدقائه. شخص استثنائي في آداب السلوك متفهم، متضامن، مشجع يعوّل عليه في كل ما ينتظره الصديق من صديقه وأكثر.

الشاوي كاتب ديدنه الأول والأخير هو الكتابة. من المستحيل الفصل في حياته اليومية بين الكتابة والوجود. يكتب كما يعيش ويعيش كما يكتب. ما يجنيه من الحياة يبدده في الكتابة، والكتابة بالنسبة إليه هي أم العقائد.

يمكنك أن تتخيل عبد القادر الشاوي منذ الاستيقاظ صباحا وهو يدبر حياته اليومية بحنكة بين أربع رياضات:

رياضة الجري ومشتقاتها. رياضة الكتابة ومشتقاتها (ترويض العقل والخيال بالرسم والقراءة والكتابة والتأليف في النقد والتخييل الذاتي والمقالة السياسية والرواية…) رياضة السفر ومشتقاته (إغراق الحواس في المشاهدات الحسية بما يعنيه ذلك من شغف جنوني لاكتشاف البلدان والجغرافيات والأجناس والألسن البشرية). رياضة وترويض الذاكرة: حاسته السادسة التي تتغذى من حواسه الخمس؛ فعبد القادر الشاوي هو الصراع اليومي مع الذاكرة بشقيها الفردي والجمعي.

لا تعارض في شخصيته بين الميل إلى التوحد والالتزام الدائم بقضايا مجتمعه. متابع يقظ لكل ما يعتمل في البلاد من شؤون سياسية وثقافية وحقوقية. مشارك، لا يكتفي بالتفرج ومخلص للمبادئ التي ألزم نفسه بها منذ بدايات اختياراته كيفما كانت المهمة أو الدور الذي يضطلع به. مارس التعليم والصحافة والدبلوماسية والإدارة. لم يتحزب بعد خروجه من السجن، وظل وفيا لثقافة حقوقية متجذرة في انسجام تام مع تاريخه النضالي.

صورة محمد الهرادي

محمد الهرادي : ظــل الشــاوي

 

حين أقرأ بعض النصوص الروائية المكتوبة في الأصل بالإسبانية، وترجمت إلى العربية، ويكون موضوعها تشريح أدوار المثقف/ الكاتب وهو يواجه وضعا معقدا ولاإنسانيا، أشعر بأن عبد القادر الشاوي يتسرب بشكل ما إلى النص، ويصير واحدا من شخصياته. أقول لنفسي «هذا هو، إنه يشبهه، تماما»، مع أني لا أعرف كيف «دخل» الشاوي إلى تلك النصوص. حينها لا أستطيع أن أتأكد من طبيعة هذا التماهي الذي يشبه الحلول، أيتعلق بعيوب القراءة، أم بصورة الشاوي التي ترسبت في ذهني نتيجة عوامل وظروف متعددة، ثم وجدت تلك الصورة ملامحها الهاربة، أم هو في النهاية إسقاط شخصي يحول ما يحدث عبر القراءة إلى واقع مضاعف يبحث عن سند، ليحقق هدفا ما؟

أعدت مؤخرا قراءة ما كتب روبرتو بولانيو عن «ليل الشيلي». وأنا أندمج في سياقات أحداث غير متوقعة، تماما كما حدث لي مع نصه الضخم «6662»، أجد نفسي في مواجهة عبد القادر الشاوي الآخر، الشخصية العبر روائية التي تحمل اسما مغايرا (والذي تم صهره وإعادة تشكيله في نص بعيد، وفي عالم يشبه إلى حد ما عالمه الحقيقي)، وكأنه يتقمص (بفعل قراءتي) شخصيات عديدة في هذا العالم المألوف لكلينا: نحن الذين نتصور أننا استنبتنا في تربة وسحر عالم إسباني كان يوشك على الرحيل من شمال المغرب في خمسينيات القرن الماضي، وحين بلغنا سن الشيخوخة بعد ستين أو سبعين عاما، وجدنا أن كل تفاصيله ما زالت نابضة، ويكفي فقط قراءة رواية تنتمي للعالم الهيسباني ليستيقظ الغفل والمبطن فينا، وهي عملية أشبه بالنفخ في السور لإعادة البعث ونفض الغبار، لنكتشف من نحن.

لا يتعلق الأمر هنا بوضع الشاوي داخل إطار من أوهام القراءة اللامجدية، بل بقدرة هذه القراءة على تحريك مخيلتنا، وجعل هذه المخيلة تعيدنا إلى مناخ ثقافي مشترك هو في حكم البائد.

منذ البداية تعلمت بالمثابرة أن أتابع مقالات الشاوي التي كتبها عن الشعر المغربي في أواخر ستينات وأوائل سبعينات القرن الماضي. وخلال تلك الفترة، وقبيل اعتقاله الوشيك بحكم نضاله ضمن مجموعة «إلى الأمام»، أتيح لي أن أجالس كاتبا- ناقدا للشعر بدا لي للوهلة الأولى متحفظا وخجولا. شربنا شايا بالنعناع في مقهى صاكار المقابل للسور قرب باب الأحد بالرباط حيث يتناول الطعام بعض كتاب القصة المخضرمين، وخلال العشر دقائق من عمر ذلك اللقاء لم نتبادل سوى كلمات قليلة. كان شيء ما في ملامح الشاوي التي لم ينحتها الزمن بعد، وفي نظرته الشاردة، يعطي انطباعا أنه منشغل البال بأمر. «روحه» كما يقال في جهة غائبة، أما الجسد الحاضر فهو هنا مقيم لا يكشف عن كلمات المرحلة التي لا تقال.

عبر الشاوي، إذن، كظل المساء الذي استطال وغاب في ظلام ليل الاعتقال بعد ذلك بشهور. لكنه كان عبورا لطيفا فيه كياسة ومودة. بدا لي أن ذلك اللقاء القصير لم يكن بالمرة حدثا قابلا للنسيان، بل كان يحمل إشارة، أو شرارة محفزة تدفع محرك البحث الذاتي عن نهاية قصة لم تكتمل.

بعد عودته إلينا بعد سنوات عديدة من «الغياب» وجدته واقفا منعزلا في مدخل الشقة التي يحتلها اتحاد الكتاب بزنقة سوسة بالرباط. شيء ما تغير فينا وكأننا استسلمنا لخدعة شعار «المسلسل» الديموقراطي و«إطلاق سراح المعتقلين السياسيين». أما هو فقد «دخل» إلى المعتقل بشعر شاب أسود، و«خرج» بذلك البياض المشوب بالرمادي الذي يكلل أيام كهولته القادمة. لكن السنوات الفاصلة بين الدخول والخروج بدت لي مثل لعبة زمن ماكرة: الزمن لديه ممطوط صلب وغير متحكم فيه بفعل ثقل الانتظار واستبطان ما تطبخه الدولة في قدر التوافقات السياسية، أما بالنسبة لنا فقد كان زمنا مائعا، ضائعا، ينخر قعودنا وأسانتنا وانتظاريتنا.

قبل «خروج» الشاوي من المعتقل قرأنا «كان وأخواتها» التي بنت بشكل مبتكر حركة ومعمارا لزمانه ولزماننا الضائعين، وبدون أن أبدو متحمسا أعتبر هذا النص أهم ما كتب باللغة العربية في ما يسمى بـ«أدب السجون»، وهو «الأدب» الذي سيدعوني الشاوي ذات يوم إلى اكتشافه والتعرف على ما يكتبه السجناء نزلاء السجن المركزي بالقنيطرة.

صورة صدوق نور الدين

 صدوق نور الدين  :في التجربة الروائية للشاوي

 

 

يقتضي الحديث عن تجربة الأستاذ والكاتب عبد القادر الشاوي، تأسيس النظر من المنطلق الذي يرى إلى هذه التجربة في بعدها النقدي المتمثل بداية في كتاب «سلطة الواقعية» (دمشق/ 1981) والإبداعي (رواية «كان وأخواتها»/ دار النشر المغربية/ 1987). على ألا يغفل عن المسار الفكري السياسي وفق ما تمثل في كتاب «السلفية والوطنية» (مؤسسة الأبحاث العربية/بيروت/ 1985)، «حزب الاستقلال» (عيون / 1990)، «اليسار في المغرب» (على الأقل/ 1992) و«التخلف والنهضة» (الموجة/1998) كنماذج دالة. ويحق أن نضيف صورة الأستاذ عبد القادر الشاوي مترجما كما تجلت في «تحت ظلال لالة شافية» (طارق/2001) لإدريس يوسف الركاب).

ما نخلص إلى تأكيده أننا أمام كاتب متعدد. أقول أمام مثقف مناضل خبر الواقع السياسي داخل المغرب وخارجه، وحرص مطلق الحرص على الحفاظ على خط الالتزام الذي اختار الدفاع عنه، علما بطبيعة التحولات التي هزت ولا تفتأ تهز العالم. وهي تحولات موعى بها وبجسارتها وامتداداتها. ألم يوقع الأستاذ عبد القادر الشاوي إهداء تخييله الذاتي «دليل المدى» (الفنك/2002) بالجملة التالية «إلى مرحلة ولت».

 

التركيز على التجربة الروائية

إن المسعى، من خلال الإشارة إلى التعدد السابق، لا يكمن في تشكيل رؤية جامعة عن مسار الأستاذ والكاتب عبد القادر الشاوي، وهو في الأصل المفروض والمطلوب، لولا أن الظرف غير الظرف والمكان غير المكان. إذا ما أضفنا كون الآثار الأدبية الإبداعية ولربما الفكرية ما فتئت تتوسع والدليل الحوار الجامع الشامل الموسوم بـ«في مهب الحلم» مع المترجم عبد العزيز جدير (ملتقى الطرق/2019)، إلى الرواية التي تزامن صدورها والدورة الراهنة من معرض الكتاب الدولي «مرابع السلوان» (دار المتوسط/2020).

 

 في دور الذاكرة

يبدي الأستاذ الناقد إدريس الناقوري، في كتابه «المصطلح المشترك» (دار النشر المغربية/1977)، رأيا يقع بين العام والخاص، ويستدعي في سياق خصوصيته التأمل والتفكير في ظرفه الزمني. يقول الناقوري: «.. وإذا كان الروائي _كما يقولون_ لا يمكن أن يضرب موعدا إلا مع رواية واحدة، في كل مسيرته الفنية، فإن هذا الموعد لم يتحقق حتى الآن، لأن أيا من كتابنا الروائيين لم ينجز بعد الرواية التي يتجسد فيها فعلا لقاء الروائي براويته». (ص/32)

بالانبناء على الشق العام، يحق التساؤل: هل كتب الروائي عبد القادر الشاوي رواية واحدة بالتنويع عليها؟ بمعنى آخر، هل ولدت الآثار الروائية برمتها من جبة «كان وأخواتها»؟ إن العديد من الخصائص أو الخاصات، نواظم ربط بين هذه النصوص الروائية:

1- البعد الذاتي: يبرز على امتداد أكثر من نص، أي منذ التجربة النواة، ويصنفها البعض في باب «أدب السجون»، ولئن كان الأدب يبقى أدبا، كما بالنسبة لبقية التجارب «دليل العنفوان» (1989)، «الساحة الشرفية» (1999)، «دليل المدى» (2002)، ونصوص أخرى.

2- أسئلة الكتابة الأدبية: إذا كان الثابت على مستوى المادة (الذات)، فالتنويع يتحقق صوغا. فقد يحدث اعتماد ضمير المتكلم أو الغائب، حيث الشخصية تتماهى والروائي.

3- الحنين: يتمثل في جنوح اللغة السردية للسمة الشعرية (نشر الشاوي مؤخرا ديوانا شعريا)، إلى الاستحضار القوي لأمكنة تفاعلت معها الذات في مرحلة زمنية.

4- بين الحلم واستجلاء النفسي: تطالعنا خاصة في رواية «بستان السيدة»، حيث الرهان على قول الزمن النفسي، وأيضا يتأتى للذاكرة استحضار تفاصيل ما بات يعد ماضيا، إذ الكتابة في هذا النص تتحدد في حكي الحكاية، وبالتالي سرد قصة الكتابة على السواء، في محاولة لإنتاج وعي بحدة الألم والموت وقساوة الزمن.

 

حوار مع الروائي والناقد عبد القادر الشاوي

الرواية مسكن الوجود الذي تلتقي فيه حيوات أشخاص وأمكنة وصور وذاكرات

 

 

حاوره: محمود عبد الغني

– نريد أن نطرح معك قضية علاقة السياسي (الإيديولوجي) والأدب. هذه قضية قديمة، ما الثابت والمتغير فيها اليوم؟

+ هذا موضوع مهم للغاية، وكان في سابق التجربة الثقافية المغربية، وخصوصا في الثمانينيات والتسعينيات، مدار نقاشات كثيرة. أشرح السياق العام الذي كان في أساس ذلك: لا يجب أن ننسى أن التجربة الأدبية المغربية الحديثة لم تتجاوز بعد عقدها السابع، وأن كل ما يرتبط بالحديث، كمفهوم وكتصور، إنما كان في علاقة بالتأثير الذي مارسته النماذج الثقافية والإنسانية منذ ارتبط المغرب بالغرب، وبصورة خاصة بالحماية الفرنسية التي سعت إلى غرس نظام رأسمالي تبعي يقوم على الاستغلال والسوق، ثم بلورت، بناء على التصور الاستعماري، مفاهيم لصيقة بـ«الليبرالية النفعية» في الغالب ترمي إلى الانسجام مع الوعي الديني الإسلامي الذي يؤطر شعور الناس ويصوغ أدوارهم العامة، اقتصادية وسياسية وتجارية، وقد يزين لهم الخضوع والانسجام، ولو في الحد الأدنى، مع «نموذج» الترقي المعروض عليهم.

في علاقة بهذا أصلا، ظهرت المحاولات الأولى التي بشرت بها (الحركة الوطنية) الآخذة بالسلفية الجديدة بوصفها إيديولوجية تعبوية ورؤية تجديدية في المجال الديني وتقوم، في الوقت نفسه، على أفكار وتصورات ذات نفس إصلاحي بقدر ما يرفض الحماية، أو يعمل على التأقلم مع مشاريعها بشروطه الخاصة، يسعى إلى الحصول على الاستقلال الذي كان، في التصور، مستقبلها المأمول لتحقيق مختلف المصالح التي سعت إلى جنيها اعتمادا على الوسائل والأساليب التي اعتمدتها للفوز بها.

أعني بهذا أن المشروع (الوطني) الذي تفاعل، من قبل، في نطاق الحماية والآثار التي ولدتها على جميع المستويات، كما تمخض عن استقلال 1956 بمختلف التناقضات التي اصطدمت بها مصالح مختلف الأطراف العاملة في سبيل ذلك الاستقلال، هو الذي هيأ المناخ الفكري والمعنوي، بالمظاهر التي كانت له على الصعيد السياسي (الصراع والمواجهة)، لأنماط من التفكير السياسي والثقافي لها علامتان بارزتان هما: النهضة والإصلاح. كما أوجد كل ذلك، وخصوصا في المجال الثقافي الذي كان حديث النشأة بالمعنى الحديث، تداخلات والتباسات التقت في الكثير من جوانبها مع التأثيرات التي كانت تفد على المغرب من فرنسا على وجه الخصوص، أو من المشرق، ومصر ولبنان تحديدا.

 

  • أنت ناقد للسرد، وأصدرت أول الكتب النقدية الذي كان عن الروائي محمد برادة، كيف تنظر إلى ذلك الكتاب اليوم؟

+ مارست النقد في بداية حياتي الأدبية يوم كانت المحاولات الإبداعية ومثلها النقدية نفسها في بداية التكوّن والتأسيس. وكان المشهد الثقافي على مستوى النشر وفي المجال الأدبي تحديدا فقيرا لا يعتد بما يظهر فيه بين الفينة والأخرى من كتب لم يكن لها أي أثر في مجالي التأثير والتداول… خصوصا وأن الصحف السياسية، على قلتها، هي التي كانت تستوعب وتستقطب مختلف التصورات التي يُلقى بها في الساحة الثقافية، فتصبح من ثم، بحكم الانتشار الذي كان لتلك الصحف (جريدة العلم بخاصة)، من وسائط التداول المهمة التي أشاعت كثيرا من المواقف وأظهرت كثيرا من الأسماء وعرضت حلقات من النقاش الخصب حول قضايا ثقافية أخذت باهتمام القراء وكانت لهم زادا لا يُعَوَّض. ومما ألاحظه، بناء على هذا، أنّ الكتب النقدية التي كانت تصدر في تلك المرحلة الابتدائية من سنوات السبعينيات لم تكن مؤلفة في الغالب، أو كانت بمثابة تجميع للمقالات المنشورة في الصحف أو في بعض المجالات. يضاف إلى هذا أن الشرق العربي لم يكن بعد، اعتبارا لسبقه وتفوقه، على أي استعداد لاستقبال بعض مظاهر وجود الأدب المغربي، وقلة من المغاربة حققوا نوعا من الاختراق (المرحوم عبد الكريم غلاب، محمد عزيز الحبابي… مع آخرين). ويعني هذا، في العموم، ما قد أوجزه في ملاحظات:

أولاها أن التجارب النقدية المغربية لم يكن لها أي وجود فعلي من حيث التأثير الثقافي والمواكبة الأدبية وتوليد التصورات النقدية الجديدة. تجارب قليلة ومحدودة الأثر من الناحية الثقافية كما يجب أن نستخلص. وألاحظ أن المحاولات الأولى التي كانت تجاوزت، بوعي نقدي متطور نسبيا (اليبوري، برادة، حسن المنيعي، محمد الهرادي، إبراهيم الخطيب …) بعض ما كان تحقق في السابق في سياق الثقافة التقليدية الموروثة، وأساسا في المصاحبة الذوقية للنصوص التقليدية شعرا ونثرا، لم تظهر بالقدر الكافي إلا في علاقة بالمثاقفة، وفي دائرة ما تمكن تسميته بالقطيعة المعرفية مع ما سبق… من حيث تولدت عن الاختراق الذي حققته بعض الأفكار أو المناهج الأدبية التي كانت ظهرت في السياق الثقافي الفرنسي أو المشرقي في بداية الستينيات وما تلاها.

حصل في تجربتي النقدية أنني عشت هذا المخاض وأنا على ارتباط سياسي بعقيدة إيديولوجية كانت تدعو إلى المقاومة وتتعلق بالتغيير، فلم يتيسر لي أن أساهم في ذلك لوجودي خارج الجامعة أيضا. ثم إن تجربتي تلك صاحبت فترة تَحَوّل لم يبرز بالقدر الواضح إلا في الثمانينيات في الوقت الذي كنت انشغلت بقضايا أخرى مختلفة، وقادني تفكيري إلى الاهتمام أكثر بشؤون الفكر المتعلقة بالذاكرة والكتابة والتاريخ والسيرة الذاتية إلخ، فانصرفتُ عن المجال الأدبي، وكان كتابي الأول (سلطة الواقعية) الذي صدر في دمشق (بمبادرة ودعم من الأستاذ محمد برادة) في أوائل 1981، كتابَ طلاقٍ مع المفاهيم والأفكار التي دافعت عنها في الحقل الأدبي من زاوية النقد التكاملي (حيث سماه البعض بالنقد الجدالي) إلى جانب تجارب نقدية أخرى كانت تملأ الساحة الثقافية بكثير من المساهمات القيمة (إدريس الناقوري، إبراهيم الخطيب، نجيب العوفي…). والحقيقة أنني هجرت المجال أيضا بسبب ظهور توجهات فكرية وسياسية ونقدية (وخصوصا في الجامعة) كانت تحاول جاهدة، وقد لعبت الترجمة، على علاتها الكثيرة، دورا واضحا في ذلك، ترسيخ منظور شكلي، تجريبي، عفا عليه الزمن من الناحية التاريخية.

 

– جل رواياتك تتضمن سيرتك وتجاربك في الحياة، مما دفع محمد برادة إلى اعتبارها تخييلاً ذاتيا وتخييلا روائياً في آن..

+ لا أستطيع تأكيد فحوى هذا السؤال لكثير من الاعتبارات. أولها أن مختلف الروايات، حتى ولو كانت موضوعاتها على ارتباط شديد بما تمكن تسميته بالواقع، لا تستطيع التهرب من سرد مسارات أو رسم خطوط هي من صميم التجارب الشخصية (والغيرية معها) في الحياة وفي مختلف مراحل التطور التي يقطعها الكاتب في حياته كاتبا وموجودا متفاعلا مع واقعه وما يحيط به. وليس المهم في هذا الاعتبار أن نحمل كاتب الرواية على الاعتراف بالمجالات التي يغرف منها في الكتابة وبناء الحكاية، وما ذلك، في الحقيقة إلا لأن الكتابة، بوصفها من الأعمال الفردية ذات الطبيعة الإنشائية، غالبا ما ترتبط بالوجود الذي للفرد/الكاتب في مختلف تجلياته، بما في ذلك أوهامه واستيهاماته والخيال العلمي. ثاني الاعتبارات أن الرواية المغربية في تجاربها المختلفة لم تحد، منذ النشأة المتأخرة (أعني منذ «الزاوية» للتهامي الوزاني التي يعتبرها بعض النقاد رواية)، عن استلهام الوجود الشخصي، العاطفي والإنساني، للشخصية المغربية.. التي هي جزء صميم من استلهام التجربة الوجودية الفردية عن طريق التمثل وعلى صعيد الرؤية واستخدام المحكي الدارجي والفضاء المحلي إلخ.

 

 كيف تنظر إلى الرواية المغربية اليوم؟

لا يهمني من موضوع الرواية المغربية الحديثة (المكتوبة بالعربية) إلا ما أراه في مجال إبداعها من زاويتين متداخلتين: الأولى، أنها حديثة لم تستقر بعد على أي ضرب يمكن اعتباره خاصا أو متميزا أو فريدا في بابه… كما هو الحال في الكتابات الروائية التي نستقبلها من الشرق أو من الغرب بعد أن حققت لنفسها، في السياق الثقافي الخاص، شيئا كثيرا من التراكم صارت به توجها راسخا في بناءاته والعوالم التي تطرقها والمجالات أو القضايا التي تعبر عنها في علاقة بالوجود الاجتماعي الخاص، أو بالتحولات الحادثة في العالم المعاصر أو بغيرهما. والرواية المغربية رواية حديثة بالمعنى الذي يفيد أيضا بأنها في تجاربها المتطورة، وهي قليلة وقد لا يفيد أصحابها ما يعلنونه من ادعاء نرجسي، ما زالت تبحث عن حكايتها الخاصة التي من المفروض أن تغري القارئ، إن وجد، بتتبعها والتفاعل معها والاستئناس بها في الاستدلال على عوالم…

أما الثاني فيعني أن الرواية المغربية بصفتها «الحديثة» تلك ليست، في الوقت الحالي، إلا تجارب أدبية محدودة، زمنها قصير ومجال انتشارها متقلص، وقدرتها كنصوص أدبية على إغراء قرائها غير محسوسة حتى بالنسبة لكتابها (مع استبعاد مختلف مظاهر النرجسية التي يذيعها الكتاب عن أنفسهم، أو يعلنها بالنيابة عنهم زبناؤهم). ومما يؤكد هذا أن متوسط الكتابة الروائية لأغلب كتابها، نساء ورجالا، لا يتجاوز عشر روايات على الأكثر… إلا بالنسبة لِرِوَائِيَيْن من جيل السبعينيات (محمد عز الدين التازي وأحمد المديني…).

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى