اعتزال سياسي زعماء اختاروا المغرب وطنا للاستقرار

عبر الرئيس السينغالي ماكي سال عن رغبته في الاستقرار في المغرب، بعد انتهاء ولايته الرئاسية، وكشف عن رغبة تسكنه في قضاء ما تبقى من عمره في مدينة مراكش، التي كان يتردد عليها حين كان زعيما للسينغال أو قبل أن يجلس على كرسي الرئاسة في بلد تربطه بالمغرب علاقات سياسية واقتصادية وروحية أيضا.

حين نعود إلى علاقة الزعماء العرب والأفارقة والأوروبيين بالمغرب، سنقف عند حكايات عديدة نسج فيها قادة كبار علاقة ود مع المغرب، فاختاروه بلدا للاستقرار النهائي بعد أن ترددوا عليه في إجازاتهم وفي زياراتهم الرسمية.

حتى في الأزمات التي تضرب الأنظمة الصديقة، لا يتردد المغرب في تسجيل مواقف الوفاء للأصدقاء الذين ربط معهم وشائج الود والإخاء. ويشهد التاريخ على فتح الأجواء المغربية في وجه قيادات سامية اختارت اللجوء إلى المغرب حين ضاق بها صدر بلدها.

في المغرب، عاش كثير من الزعماء أيامهم الأخيرة، منهم من دفنوا في تربة هذا الوطن، ومنهم من صدقوا مزاعم أهل بلدهم فخرجوا ولم يعودوا، بل إن مجموعة من الرؤساء الأفارقة اختاروا المغرب وجهة صحية للعلاج، وقضوا سرا تارة وعلانية تارة أخرى فترات النقاهة في بلد يحسن الود ويحفظ العهد ولا يتغير بتغير الزمان والمكان.

يبدو أن الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني الذي يتمتع به المغرب، يعد إحدى الضمانات التي تشجع على قضاء ما تبقى من أيام العمر في المغرب، طبعا دون أن نلغي العامل الاقتصادي حيث اختارت بعض القيادات الاستثمار في بلد آمن سياسيا.

في الملف الأسبوعي لـ «الأخبار» وقفة مع شخصيات سياسية وازنة اختارت المغرب آخر ملاذ.

 

رئيس السينغال يعلن اعتزاله السياسة والاستقرار في مراكش

في حوار صحافي، قال الرئيس السينغالي ماكي سال، إنه يفكر في الاستقرار بالمغرب مستقبلا، موضحا أنه «يحب المغرب ويمكن أن يستقر في مراكش». واعتاد الرئيس السينغالي ماكي قضاء عطلته الخاصة بمدينة مراكش رفقة عائلته، وكانت آخر زياراته لهذه المدينة في شهر غشت الماضي، حيث شوهد رفقة أفراد أسرته في ساحة جامع لفنا. ورغم أن بعض المنابر الإعلامية قد أوضحت أنه الرئيس سالي يحضر للانتخابات الرئاسية من مراكش، إلا أن الأيام كشفت عن زيف هذه التكهنات حين عبر عن رفضه تجديد ترشيحه لولاية ثالثة، وقالت صحف سينغالية إن ماكي سال لطالما اتخذ قرارات مهمة خلال قضائه العطلة بالمغرب، كما فعل سابقا حينما ألغى منصب رئيس الوزراء، لكن الرئيس سال أعلن قبل أشهر أنه لن يرشح نفسه لفترة جديدة في عام 2024 منهيا تكهنات واسعة النطاق بأنه سيسعى إلى الفوز بولاية ثالثة.

وسبق لسليمان ديوب ممثل السنغال لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، أن كشف في لقاء تلفزي على قناة «تيفي 5 موند» أن الرئيس سال «بدأ ينقل عائلته منذ أسابيع إلى المغرب»، مشددا بأنه «لا يسعى للتشبث بالسلطة».

وكان ماكي سال قد طلب من وزيرة العدل السينغالية اتخاذ التدابير اللازمة «لتهدئة الفضاء العام»، بغية إجراء حوار وطني وتنظيم الانتخابات الرئاسية المقبلة التي كان مقررا إجراؤها في 25 فبراير الجاري قبل تأجيلها إلى 15 دجنبر 2024.

ويقيم المغرب والسينغال علاقات قوية في إطار شراكة مكثفة، باستمرار على تعزيز وتنويع تعاونهما الثنائي نحو آفاق جديدة وواعدة تحت القيادة المستنيرة لقائدي البلدين، الملك محمد السادس والرئيس ماكي سال، إذ قام العاهل المغربي، منذ توليه العرش، بتسع زيارات إلى السنغال، أي ما يمثل أكبر عدد من الزيارات التي قام بها ملك البلاد إلى بلد إفريقي، وهو ما يعكس الاهتمام الخاص الذي يوليه المغرب للعلاقات بين البلدين الشقيقين وتعزيزها وإعطاء زخم جديد لهذه الروابط الوثيقة والعريقة. بل إن الملك وجه خطابا إلى الأمة بمناسبة الذكرى 41 للمسيرة الخضراء من العاصمة دكار، في بادرة قوية تحمل رمزية وقيما تعكس الوحدة بين الشعبين المغربي والسينغالي وعمق العلاقات الثنائية التاريخية. وجاء في الخطاب: «لقد اخترت السنغال، لمكانته المتميزة في إفريقيا، إضافة إلى علاقات الأخوة والتضامن، ووحدة المصير التي تجمع عبر التاريخ الشعبين السينغالي والمغربي».

بوضياف.. رئيس جزائري استقر بالقنيطرة قبل تصفيته

تسببت عودة المناضل الجزائري محمد بوضياف من المغرب إلى بلده، في احتقان داخلي لمعارضي عودته، الذين اعتبروا الأمر رسالة مشفرة للجزائريين، تقول إن الجزائر ستصبح ملحقة شرقية للمغرب، أو هكذا بدا لهم.

بعد اعتقاله في الجنوب الجزائري لمدة ثلاثة أشهر، اختار محمد بوضياف اللجوء إلى المغرب، حيث واصل نشاطا معارضا ضد نظامي الرئيسين أحمد بن بلة وهواري بومدين. وبعد أن استحوذ الإسلاميون على الحكم قررت القيادات السياسية في الجزائر اللجوء إلى بوضياف ودعوته للمساهمة في إنقاذ البلاد من الفراغ السياسي. إثر إيقاف المسار الانتخابي ودخول البلاد في مأزق سياسي.

تم استدعاء بوضياف ومنحه شرف رئاسة البلاد. كان الرجل يقيم في مدينة القنيطرة، حيث يشرف على إدارة مصنعه المختص في إنتاج الآجور، وكان مترددا في تلبية مقترح رفاق دربه، ولكن ضغوطات عائلية شجعته على قبول ما كان قد رفضه في 1962.

حل بالمغرب قائدان جزائريان لإقناعه بجدوى العودة ومسك خيوط الحكم وهما: علي هارون وأبو بكر بلقايد وكانا من أعز أصدقائه، قالا له أنت «الرجل الذي تحتاجه وتنتظره الجزائر، كل الجزائر». كان من الصعب إقناع بوضياف الذي قضى 28 سنة، معارضا لحكم بن بلة وبومدين، وبعد وفاة هذا الأخير خفت صوته تماما، وحل حزب الشعب الذي كان يرأسه، وقرر التفرغ والاعتناء بأسرته وإدارة مصنعه.

استشار بوضياف الحسن الثاني في الأمر، وقال له إنه ذاهب سرا للجزائر لمعرفة تفاصيل أكثر، طلب منه الملك التريث قليلا، ونصحه بتكثيف الاجتماعات مع كبار الجنرالات، «هذه نصيحة من أخ، أعلم أنهم استنجدوا بك لكسر شوكة الإسلاميين»، قال الحسن الثاني.

اغتيل بوضياف في 29 يونيو 1992، بقصر الثقافة وهو في تجمع خطابي، صنفت القضية في خانة جرائم التصفية السياسية، وسجلت ضد ملازم عسكري، لكن النخب الجزائرية أجمعت أن الجريمة كانت مدبرة، وأن القياديين الماسكين بخيوط الحكم الذين قبلوا بعودة بوضياف هم الذين قتلوه، لأنهم كانوا يريدون رئيسا على مقاسمهم.

حسب تصريحات أحمد عصمان فإن زوجة الرئيس الراحل محمد بوضياف، كانت تتصل به بشكل مستمر قبل عودة زوجها إلى الجزائر، وكانت تترجاه أن يطلب من الملك الحسن الثاني ثنيه عن العودة إلى بلاده، لأنها كانت متأكدة أنهم سيقتلونه بمجرد عودته، وذلك ما حدث بالفعل. لكن كثيرا من القيادات الجزائرية عبأت الشعب ضده وقالت إن الحسن الثاني هو المحتضن الرسمي للرئيس الجديد، وأن الرباط عثرت على الرئيس المناسب للمنصب المناسب للظرف السياسي المناسب.

يصف محيي الدين عميمور محمد بوضياف بالرجل «الذي قضى عمره في المعارضة والرافض الاشتغال تحت سلطة العساكر، وبعد اعتقاله في الجنوب لمدة ثلاثة أشهر اختار المنفى في المغرب حيث واصل نشاطا معارضا ضد نظامي الرئيس بن بله والرئيس بومدين».

يتقاسم كثير من المحللين الجزائريين «خطأ الاختيار»، ويؤكدون أن أكبر خطأ اقترفه بوضياف، أحد كبار الثوار الذين ساهموا في تحرير الجزائر، هو قبول عرض الجنرالات في يناير 1992، وعمره قد تجاوز السبعين، وهو الذي رفض «عرض الكولونيلات» في سنة 1962، حين كان النشاط والإقدام يغمرانه.

الحسن الثاني يمنح أبناء آخر ملوك تونس الجنسية المغربية وسكنا بتطوان

في سنة 1957 أعلن الحبيب بورقيبة سقوط نظام محمد الأمين باي، ونصب نفسه رئيسا لتونس مع استبدال نظام الباي الحسيني بالنظام الجمهوري. كان أول قرار اتخذه الحبيب هو مصادرة أملاك محمد الأمين الذي كان حاكما لتونس، وطرد أبناءه من القصر، وإسقاط اسمه من المنشآت العامة، رغم أن بورقيبة كان مقربا من عائلة محمد الأمين باي.

عاش أبناء وحفدة آخر ملوك تونس محنة حقيقية، بعد أن لفظهم بورقيبة مباشرة بعد حصول تونس على استقلالها، في اعترافات يتحدث الطبيب شفيق الشلي عن رحلة بعض أفراد أسرة الملك المخلوع إلى المغرب، حيث حزمت العائلة حقائبها لتهاجر إلى شمال المغرب هروبا من معاناة رهيبة دامت خمس سنوات، بدأت باعتقال الباي ومصادرة ممتلكاته، ثم الحجز على مصحة والده الدكتور محمد الشلي، وكان أشهر الأطباء الجراحين بتونس.

قال حفيد ملك تونس، الدكتور شفيق الشلي، في تصريح صحفي: «هربنا إلى المغرب بعد أن عاشت العائلة خمس سنوات كانت الأسوأ في تاريخها، وأعطانا الحسن الثاني الجنسية المغربية. كانت والدتي ليليا ترغب في الهجرة إلى بلد نظامه السياسي شبيه بتونس الملكية، فقررنا الهجرة إلى المملكة المغربية».

عاشت الأسرة في مسكن تابع لمستشفى سانية الرمل بتطوان، حيث كان الطبيب يشتغل في قسم الولادة، إذ قررت الأسرة طي صفحة الماضي، والعمل من أجل تدبير عيش كريم بعيدا عن نظام بورقيبة.

في كتابها «نساء وذاكرة» تتحدث زكية باي ابنة محمد الأمين باي، عن الظروف التي عاشها والدها آخر سنوات حياته، وكيف كان يرغب في مغادرة تونس نحو المغرب أو ليبيا أو تركيا، وعن اعتقاله وجنازته البئيسة، وكيف كان موقف الملك الحسن الثاني واضحا، حين رحب بأفراد الأسرة ومنح بعضهم الجنسية المغربية، متصديا لغضبة بورقيبة الذي أرسل موفدا عنه إلى الرباط لثني الملك عن قرار استضافة حفدة الباي دون جدوى.

عاشت الأسرة الملكية في مسكن فسيح تابع لمستشفى سانية الرمل بتطوان، بعد أن كانت تقطن أفخم قصور تونس، حيث كان الطبيب يشتغل في قسم الولادة، قررت طي صفحة الماضي، والعمل من أجل تدبير عيش كريم بعيدا عن نظام بورقيبة الذي رسم للملك السابق صورة سيئة عن الباي المخلوع، عبثا وحاول في لقاء مع الحسن الثاني دفعه لطرد الطبيب ووالدته من المغرب، كي لا يصبح نقطة جذب لمعارضي نظام الحبيب.

لكن ما أثر فيهم أكثر هو إسقاط اسم العائلة الملكية من الذاكرة الجماعية لتونس، ومسحها من الفضاءات العمومية، خاصة بيت الحكمة الذي كان منارة للعلوم والآداب والفنون وتحفة معمارية وأثرية بل هو كذلك القصر المهم في خط قرارات مفصلية في تاريخ البلاد التونسية.

موبوتو.. زعيم الزايير يستقر بالرباط ويعالج في مستشفياتها

في السابع عشر من شهر ماي من سنة 1997، أطاح زعيم المتمردين في جمهورية الكونغو الديمقراطية (الزايير سابقا)، بالرئيس الأسبق موبوتو سيسي سيكو وأعلن نفسه رئيسا لتلك الجمهورية. احتفل الكونغوليون بنهاية سيسي، المتهم بتبديد وسرقة ثروة الزايير من مناجم الماس، فيما اختار الرئيس المطاح به منفاه في المغرب قبل أن يوارى الثرى في العاصمة الرباط، أما الرئيس كابيلا، الذي كان وراء الانقلاب فقد اغتيل على يد أحد أفراد حرسه، وتولى بعده ابنه جوزيف مقاليد الحكم في البلاد.

بعدما طرد لوران كابيلا موبوتو سيسي سيكو من السلطة في الزايير، بعد حكم دام 32 عاما، اختار الاستقرار مع أسرته بالمغرب، حيث توفي متأثرا بمرض السرطان بعد وقت قصير من إطاحة المتمردين بحكمه في 16 ماي. بادر لوران إلى تغيير اسم البلاد فأصبحت جمهورية الكونغو الديمقراطية، لكن كابيلا اغتيل قبل أن ينعم بالحكم كما مات موبوتو قبل أن ينشئ حكومة في المنفى ويستعد للرد على الانقلاب بانقلاب عن بعد، سيما وأن سيسي استولى بدوره على السلطة سنة 1966 بدعم من بلجيكا والولايات المتحدة الأمريكية، بعد الإطاحة بالرئيس جوزيف كاسا فوبو أول رئيس للكونغو المستقلة.

علاقة موبوتو بالمغرب ترجع لبداية السبعينات، حيث ظل يتردد على العاصمة الرباط ويقضي فيها فترات طويلة، بل إنه في عام 1977 تدخلت القوات المغربية لمواجهة انتفاضة مسلحة في هذا البلد.

نجح لوران كابيلا في اقتحام كينشاسا وتنحية موبوتو الذي هرب إلى الطوغو ثم توجه إلى منفاه بالمغرب، وفي إحدى مصحات العاصمة ظل يخضع سرا لحصص العلاج الكيماوي ضد السرطان، فغاب عن الأنظار إلا من لقاءات متنافرة مع الملك الحسن الثاني الذي كان يعاني بدوره من إجهاد.

وفي 7 شتنبر 1997 أعلنت المصحة نبأ وفاة موبوتو متأثرا بمرض السرطان ودفن في مقبرة مسيحية بالعاصمة المغربية الرباط. وفي 2007 أوصى المجلس التشريعي في جمهورية الكونغو الديمقراطية باستعادة رفات موبوتو سيسي سيكو ودفنه في ضريح في الكونغو.

ميتران.. الرئيس الذي خاطب مواطنيه من سوس

لقد كان الاتصال بين قصر الرباط والإليزيه يتم دائما بين زعيمي البلدين بعيدا عن السفراء. لأن فرانسوا ميتران لم يدخر أبدا جهدا في إقامة علاقات ودية وثيقة مع الحسن الثاني، الأمر الذي كان مزعجا للغاية لزوجته دانييل. كما أعرب رئيسا الدولتين عن تقديرهما المتبادل وينطبق الشيء نفسه على جاك شيراك، الصديق القديم للعائلة المالكة وللشعب المغربي.

حين أعلنت وكالة الصحافة الفرنسية عن وفاة الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، شعر المغاربة بغيمة حزن تجثم على أنفاسهم لما يربط الرجل من وشائج مع المغرب، خاصة وأن صديق المغرب الذي كان مقيما بتارودانت قد توفي بإحدى مصحات أكادير عن سن يناهز 86 سنة، إذ كان يعاني من التهاب رئوي حاد.

علاقة جاك شيراك بالملوك الثلاثة محمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس بدأت من باريس وانتهت في تارودانت، فعلى امتداد المهام السياسية التي عهدت إليه، ظل يحجز للمغرب مساحة في عقله وقلبه، ويتنقل بين باريس وأكادير باستمرار.

ظل الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك يعالج في سرية تامة، إذ نقل مرات من أكادير حيث كان يقضي عطله الصيفية إلى مستشفى بمدينة باريس، بعد إصابته بالتهاب رئوي، بعد أن خضع للعلاج في مقر إقامته وفي مصحة بأكادير، نقل جاك شيراك البالغ من العمر 83 سنة إلى مطار المسيرة في سيارة إسعاف قبل أن يركب طائرة خاصة من مدينة أكادير، ليدخل غرفة العناية المركزة في مستشفى «لابيتيي سالبيتريير».

حين أوردت صحيفة «لوموند» الفرنسية خبرا يقول إن جاك شيراك يقضي عطلته الصيفية بالمغرب، اعتبر الخبر مستهلكا لأن الرجل الطاعن في السن ظل يقضي إجازاته في الجنوب المغربي بين تارودانت وأكادير وورززات. لكن جاك كان أحوج إلى لحظات استجمام خاصة بعد أن أكدت الصحافة الفرنسية مروره بـ «أزمة نفسية صعبة وحالة صحية حرجة، أعقبت وفاة ابنته لورانس نتيجة إصابتها بنوبة قلبية».

وكشفت مجلة فرنسية عن وجود الرئيس الفرنسي السابق دوما في مدينة أكادير، بأحد المنتجعات الصيفية التي وضعها الملك محمد السادس رهن إشارته، حيث يصل إلى مطار أكادير على متن طائرة خاصة رفقة زوجته وأفراد أسرته وبعض أعوانه، الذين يراهنون على استرجاع المسؤول الفرنسي عافيته.

وكان شيراك قد دأب على قضاء عطلة أعياد الميلاد ورأس السنة في المغرب، وبالتحديد بمدينة تارودانت حيث يملك مزرعة كبيرة، ظل يتردد عليها منذ أن كان عمدة لباريس، ولطالما خاطب العالم حين كان رئيسا لفرنسا من هذه المدينة الصغيرة.

فرح بهلوي.. عاشت أيام ما بعد السلطة في تارودانت

أتيحت لفرح بهلوي، زوجة إمبراطور إيران سابقا، فرصة الاستقرار في المغرب. لكن المميز بخصوصها، أنها حظيت بعطف كبير من الملك الحسن الثاني، وفتح لها أبواب المغرب رفقة عائلة زوجها شاه إيران، في أحلك فترات حياته على الإطلاق عندما تم الانقلاب عليه.

كانت فرح بهلوي «المغربية» تظهر بانتظام في بعض المهرجانات والمحافل التي يستقطب لها المغرب أشهر وجوه الفن والسينما من داخل المغرب وخارجه. ويعرفها الكثيرون بكونها أرملة لشاه إيران، لكنهم لا يعرفون أنها استقرت فترة بالمغرب، وتملك إقامة في حي شعبي وسط مدينة تارودانت، تلجأ إليه بين الفينة والأخرى في زياراتها المتقطعة إلى المغرب، مرفوقة بأسرتها الصغيرة المتمثلة في أبنائها وأحفادها.

بعد وفاة الشاه، تساءل الكثيرون عن سر اختيار أرملته للمغرب وجهة أساسية تزورها سنويا، علما أنها لم تزر المغرب في حياة الشاه إلا مرات معدودة لم تدم إلا أياما قليلة في عز أزمة الحكم في إيران خلال السبعينات، لتغادر بعدها المغرب إلى مصر ومنها إلى عواصم عالمية أخرى.. جرت العادة أن تتنقل بينها دون توقف خلال الأشهر الأخيرة من حياة الشاه، تجنبا لأي مشكل دبلوماسي بين الدول المضيفة والنظام الجديد في إيران.

حين كتبت فرح بهلوي مذكراتها والتي شكلت فور صدورها حدثا عالميا، تهافتت عليها كبريات المنابر الإعلامية عبر العالم، لأنها تكشف جزءا كبيرا مما كان يدور في كواليس الحكم خلال الأشهر الأخيرة من حكم شاه إيران، وعلاقاته برؤساء الدول التي زارها. وأفردت لزيارة المغرب صفحات مهمة، وتحدثت عن الملك الحسن الثاني والدور الذي لعبه في توفير الدعم النفسي لشاه إيران في عز الأزمة.

تلك المذكرات تقدم تفاصيل عن حياة فرح بهلوي قبل أن تصبح ملكة، وأيام مجدها أيضا، قبل أن يدور الزمن دورته وينتهي كل شيء، ويصبح لقب زوجها لعنة تطارد النظام السابق ورجاله، بعد ثورة الخميني.

المثير في قصة فرح بهلوي أنها اختارت الإقامة في المغرب، ولم تعتبره محطة عابرة مثل غيره من المحطات التي استضافت أسرة الشاه بعد خروجه الاضطراري من إيران.

عندما سمع بعض الصحافيين للوهلة الأولى أن فرح بهلوي اختارت الإقامة في المغرب، ظنوا أن الأمر يتعلق بإقامة في مدينة شاطئية، إلا أن فرح اختارت مدينة تارودانت، وحصلت على إقامة بطراز «الرياض» التقليدي، وسط حي شعبي يفضي إلى أشهر أسواق المدينة. أصحاب المحلات التجارية المجاورة لمنزل فرح بهلوي أكدوا أن المكان يعرف إنزالا أمنيا عندما تأتي زوجة الشاه إلى إقامتها، حيث يرابط شرطيان أمام باب الإقامة ويتم تطويقها من جميع الجهات لضمان الحماية.

بعض أصحاب المحلات أكدوا أنه سبق لهم دخول الإقامة، لتزيينها بديكورات تقليدية وتركيب المصابيح، التي تشتهر بها تارودانت، في حديقة الإقامة. ويقال إن بيت فرح بهلوي مسكن عادي يعكس البناء التقليدي للمنازل الكبيرة بالمدينة والتي تشبه الإقامات الخاصة، بالإضافة إلى حديقة تحتوي على ممرات وكراس. أما داخل البيت فقد كان يضم العديد من الغرف، وديكورات كثيرة موضوعة بعناية وتعكس كلها المعمار المغربي والصناعة التقليدية المحلية.

اعتادت فرح بهلوي الظهور في وسائل الإعلام المغربية، من خلال المهرجانات السنوية، من قبيل مهرجان «كناوة» بالصويرة الذي يحج إليه المشاهير عبر العالم، حيث شوهدت في أكثر من دورة رفقة عائلتها الصغيرة وأحفادها، تتجول في المدينة بكل تلقائية، أو مرفوقة بشخصيات وازنة أثناء متابعة فقرات المهرجان، وعلى رأسهم أندري أزولاي.

تميزت علاقة فرح بهلوي بالمغرب بترحيب الملك الحسن الثاني بمقامها رفقة ذويها، رغم أنهم لم يلبوا الدعوة في حينها بسبب الإكراه الذي كانت تعيشه العائلة والمتمثل في طلب شاه إيران للعلاج، لتعود فرح بعد وفاته إلى المغرب، وتواظب على زيارته في مناسبات مختلفة كل سنة، قادمة إليه من أمريكا، حيث يقيم أبناؤها ويتابع أحفادها دراستهم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى