العدوي تفضح تلاعب الأحزاب بالمال العام

نشر المجلس الأعلى للحسابات غسيل الأحزاب السياسية، من خلال إصداره لتقرير حول تدقيق الحسابات السنوية للأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم السنوي الممنوح لها للمساهمة في تغطية مصاريف تدبيرها وكذا مصاريف تنظيم مؤتمراتها الوطنية العادية برسم السنة المالية 2022. وعلى غرار السنوات السابقة، رصد التقرير جملة من الخروقات والاختلالات في تدبير حسابات جل الأحزاب السياسية، ومنها أحزاب تسهر على تدبير الشأن العام، سواء على مستوى الحكومة أو الجماعات الترابية، الذي يجعلها مؤتمنة على حماية المال العام، فيما سجل التقرير أن بعضها يخرق قواعد المحاسبة المالية الخاصة بها، ولم تدل بوثائق تثبت أين صرفت نفقات تحصل عليها من جيوب دافعي الضرائب، كما فضح التقرير تلاعب خمسة أحزاب سياسية في الدعم الإضافي المخصص لإنجاز الأبحاث والدراسات.

وال الدعم المخصصة للدراسات

 

بيّن فحص وثائق إثبات النفقات المصرح بصرفها من طرف حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب العدالة والتنمية وجود نقائص تتعلق بدعم عمليات الالتزام بنفقات قدرها 15,64 مليون درهم لتغطية مصاريف المهام والدراسات والأبحاث وتبرير صرف جزء منها بوثائق الإثبات القانونية (6,59 ملايين درهم)، سيما تلك المنصوص عليها في المخطط المحاسبي الموحد للأحزاب السياسية.

وأفاد التقرير بأن خمسة أحزاب التزمت بإنجاز 44 مهمة أو دراسة أو بحث في مجالات اقتصادية واجتماعية وبيئية ومؤسساتية، بكلفة مالية قدرها 15,64 مليون درهم، غير أنها لم تدل بما يثبت لجوءها للمنافسة لانتقاء الخبراء المؤهلين لإنجازها. هذه الوضعية تخالف مقتضيات المخطط المحاسبي الموحد للأحزاب السياسية، الذي ينص على تبرير أتعاب الخبراء العاملين لحساب الحزب بعدة وثائق من بينها إعلان الترشيح، ومقرر اختيار أعضاء اللجنة المشرفة على اختيار الخبير وتقييم الخدمة المقدمة، ومحضر اختيار الخبير، والعقد المبرم معه. ويتعلق الأمر بكل من حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب العدالة والتنمية.

في هذا الصدد، أشارت الأحزاب المستفيدة من الدعم، في معرض أجوبتها عن استبيان المجلس، باختيار الجهات المكلفة بإنجاز الدراسات والأبحاث عن طريق الاتفاق المباشر، مع تكليف الأمانة العامة أو المكتب السياسي وأعضاء آخرين وخبراء بمهام الاتفاق على دفاتر التحملات مع الجهات المعنية وكذا الإشراف على تتبع إنجاز الدراسات والأبحاث وتسلم مخرجاتها. وأضاف حزب العدالة والتنمية أنه قام بطلب أكثر من عرض للمقارنة بينها، مع عقد جلسات لمناقشة العروض وكلفتها المالية، فيما برر حزب التجمع الوطني للأحرار عدم اعتماد مسطرة طلب العروض لاختيار الخبراء بكون الدراسات والأبحاث والمهام المتعلقة بالشأن السياسي وبتدبير الشأن العام لها خصوصيتها وليست كباقي الخدمات التي يمكن إسنادها إلى متعهد بمعيار الكلفة المادية، لذلك فإن الحزب عمد إلى وضع آلية خاصة لاختيار الجهة القادرة على إنجاز الخدمات بناء على معايير تروم تحقيق شرط الكفاءة وجودة المنتوج النهائي.

وقامت أربعة أحزاب بأداء تسبيقات لفائدة مقدمي الخدمات في مخالفة لقاعدة الأداء المشروط بإنجاز الخدمة بما مجموعه 4.346.000,00 درهم، وهو ما يمثل 28 بالمئة من الدعم السنوي الإضافي المخصص لهذه الأحزاب، وهي حزب التجمع الوطني للأحرار (2,70 مليون درهم) وحزب الأصالة والمعاصرة (1 مليون درهم) وحزب الاستقلال (0,51 مليون درهم) وحزب العدالة والتنمية (0,14 مليون درهم). وقامت ثلاثة أحزاب بأداء مبالغ من الدعم السنوي الإضافي قدرها 3,95 ملايين درهم خارج النطاق السنوي بسبب عدم كفاية الحيز الزمني ما بين تاريخ صرف الدعم ونهاية السنة المعنية به لإتمام الدراسات، حيث قام حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية بأداء مبالغ من الدعم قدرها على التوالي 2,40 مليون درهم و(1) مليون درهم و552.400,00 درهم لفائدة مكاتب الدراسات لتغطية مصاريف الدراسات خلال سنة 2023 عوض سنة 2022، وهو ما يعني تنفيذ النفقات المتعلقة بالدعم السنوي الإضافي خارج الإطار السنوي لصرف الدعم، أي بعد متم السنة المعنية.

وأرجعت الأحزاب المعنية هذه الوضعية إلى صعوبة تنفيذ الدراسات خلال السنة المعنية بالدعم علما أن تاريخ صرفه تم ما بين شهري شتنبر ونونبر 2022، أي على بعد شهرين فقط من انتهاء الأجل المحدد بموجب المرسوم سالف الذكر.

ولم تدل الأحزاب السياسية المعنية بصرف الدعم السنوي الإضافي بجل مخرجات وتقارير المهام والدراسات والأبحاث الملتزم بإنجازها. في هذا الصدد، ينص المخطط المحاسبي الموحد للأحزاب السياسية (قائمة الوثائق والمستندات المثبتة لمداخيل ونفقات الأحزاب السياسية) على ضرورة دعم أتعاب الخبراء العاملين لحساب الحزب بمجموعة من الوثائق من بينها تقارير ومخرجات الخبرة المقدمة. وأرجعت الأحزاب المعنية هذه الوضعية إلى قصر المدة الفاصلة بين تاريخ منح الدعم السنوي الإضافي للأحزاب المعنية (ما بين شهري شتنبر ونونبر 2022) والأجل المحدد لرفع ملفات استعمال الدعم المذكور (31 دجنبر 2022).

وفي هذا الصدد قام حزب التجمع الوطني للأحرار بالتعاقد مع ثلاثة مكاتب دراسات من أجل إنجاز خمس دراسات حول «سبل تطوير أداء المنتخبين» و«تقييم السياسات على المستوى الإقليمي» و«تقييم الوضع المالي للجماعات المحلية وسبل تحسينه»، بمبلغ إجمالي قدره 5,62 ملايين درهم، غير أن الحزب لم يدل بتقارير ومخرجات الدراسات المنجزة.

وتعاقد حزب الأصالة والمعاصرة مع «مركز الحوار العمومي والدراسات المعاصرة» لإنجاز ثماني دراسات حول «مدونة الأسرة والحريات الفردية»، و«القانون الجنائي وسؤال الهوية الوطنية»، و«دور الشباب في المشهد الحزبي والسياسي»، و«منظمة المرأة البامية.. منظور جديد لتنظيم سياسي جديد»، بمبلغ إجمالي قدره 4,36 ملايين درهم. غير أن الحزب لم يدل بتقارير ومخرجات الدراسات والأبحاث المنجزة، حيث أبدى تحفظه بسبب إلزامه من طرف الجهات التي تكلفت بالدراسات والأبحاث بعدم الإدلاء بها خارج الحزب.

وقام حزب الاستقلال بعقد اتفاقيات مع خمسة مكاتب دراسات لإنجاز خمس دراسات حول نظام الأسرة والتحولات الإعلامية والتواصلية وتأثيرها على الديمقراطية والديمقراطية التشاركية والطبقة الوسطى وصورة الحزب لدى الرأي العام ولدى مناضليه وأطره، بمبلغ إجمالي قدره 2,95 مليون درهم، غير أن الحزب لم يدل بتقارير ومخرجات الدراسات المنجزة.

وتعاقد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مع مكتب دراسات لإنجاز 23 دراسة في المجال الاقتصادي (الإصلاح الجبائي، المقاولات الصغرى والمتوسطة، النقل واللوجستيك والقطاعات المنتجة ونجاعة الاقتصاد الوطني)، والاجتماعي (الفئات الاجتماعية، والتربية والتعليم والتكوين، والحماية الاجتماعية، والتشغيل والموروث الثقافي) والمؤسساتي (الحكامة، سيادة القانون، الوضع المؤسساتي، إعداد التراب وسياسة المدينة وإصلاح الإدارة) والبيئي (قطاعات الماء والطاقة والتعدين)، بمبلغ إجمالي قدره 1,83 مليون درهم. غير أن الحزب اقتصر على الإدلاء بـ 21 وثيقة عبارة عن عروض أو مذكرات موجزة تتضمن معلومات واقتراحات عامة متوفرة للعموم، لا تستند إلى منهجية علمية واضحة، كما هو معهود عند إنجاز الدراسات.

وقام حزب العدالة والتنمية بالتعاقد مع مكاتب للدراسات، وإطار من الحزب (م.خ) لإنجاز أربع دراسات حول التحول الرقمي للمرافق العمومية بالمغرب والسياسات العمومية الموجهة للشباب المغربي والمنظومة القانونية والتنظيمية للانتخابات وتطوير رقمنة الوظائف الحزبية بالإضافة لطبع ونشر دراسة واحدة حول مدونة الأسرة ورهانات المراجعة، وذلك بمبلغ إجمالي قدره 874.400,00 درهم.

وأدلى الحزب بمخرجات دراستين تم إنجازهما كليا وأداء مستحقاتها، فيما لم يدل بمخرجات وتقارير الدراستين المرتبطتين بـ«المنظومة القانونية والتنظيمية للانتخابات» و«رقمنة الوظائف الحزبية» اللتين تم تقديم تسبيقات بشأنهما.

قصة دعم الأحزاب السياسية وشروط استفادتها من المال العام

 

يعتبر ظهير الحريات العامة الصادر بتاريخ 15 نونبر 1958 والمتعلق بتأسيس الجمعيات، أول إطار قانوني لتنظيم وتأسيس الأحزاب السياسية، ومن خلال تصفح هذا الظهير، يتضح أنه يمنع منعا كليا تمويل الأحزاب السياسية من الدولة، بحيث ينص الفصل 18 من الظهير على أنه «لا يمكن للأحزاب السياسية والجمعيات ذات الصبغة السياسية أن تتسلم بصفة مباشرة أو غير مباشرة إعانات من الدولة أو البلديات أو جماعات عمومية أو من المكاتب والمؤسسات العمومية».

لكن خلال سنة 1986، وجه الملك الحسن الثاني رسالة إلى الوزير الأول آنذاك، حثه فيها على تخصيص 20 مليون درهم سنويا لدعم الصحافة الوطنية، ومساعدة الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية، وأشارت الرسالة إلى أن هذا القرار الملكي جاء استجابة لمتلمس تقدم به أعضاء لجنتي الداخلية والإعلام بمجلس النواب، واستجابت الحكومة للرسالة الملكية، حيث تم التنصيص على تخصيص هذا المبلغ في قانون المالية للسنة الموالية سنة 1987، ومنذ تلك السنة أصبحت الدولة تخصص مبالغ مالية لتمويل الأحزاب السياسية، لكن هذا التمويل طرح العديد من الإشكالات القانونية حول كيفية توزيع الدعم وتحديد لائحة الأحزاب المستفيدة، لكن دستور 1992 نص في فصله الثالث على تخصيص دعم للأحزاب المنخرطة في المسلسل الديمقراطي على تأطير المواطنين، وهو ما أضفى شرعية قانونية ودستورية على منح الدعم للأحزاب السياسية، الذي أصبح معمولا به إلى حدود الآن.

بعد ذلك أصدرت الحكومة مرسوما بتاريخ 28 شتنبر 1992، نص على تخصيص دعم للأحزاب لتمويل حملاتها الانتخابية، بحيث نص المرسوم على أنه «على الأحزاب السياسية والجمعيات ذات الطابع السياسي التي تتلقى إعانة من الدولة، خصوصا في صورة مساهمة في تمويل الحملات الانتخابية، التي تقوم بها بمناسبة الانتخابات العامة الجماعية والتشريعية، أو في صورة معونة للصحف التي تصدرها،أن تثبت في المواعد ووفق الإجراءات التي تحددها الحكومة أن المبالغ التي تلقتها قد صرفت في الأغراض التي منحت من أجلها».

وحدد قانون الأحزاب السياسية نظام تمويل الأحزاب السياسية وكيفيات مراقبته، وحدد موارد الحزب المالية وأملاكه المنقولة والعقارية الضرورية لممارسة نشاطه وتحقيق أهدافه. وتشتمل الموارد المالية للحزب كما حددها القانون على واجبات انخراط الأعضاء، والهبات والوصايا والتبرعات النقدية أو العينية، على أن لا يتعدى المبلغ الإجمالي أو القيمة الإجمالية لكل واحدة منها 500 ألف درهم في السنة بالنسبة إلى كل متبرع، والعائدات المرتبطة بالأنشطة الاجتماعية والثقافية للحزب، وعائدات استثمار أموال الحزب في المقاولات التي تصدر الصحف الناطقة باسمه، وفي مقاولات النشر والطباعة العاملة لحسابه، والدعم السنوي الذي تقدمه الدولة للمساهمة في تغطية مصاريف تدبير الأحزاب السياسية، وكذا الدعم المخصص للمساهمة في تغطية مصاريف تنظيم مؤتمراتها الوطنية العادية، المنصوص عليها في هذا القانون التنظيمي، والدعم المخصص للأحزاب السياسية برسم المساهمة في تمويل حملاتها الانتخابية، في إطار الانتخابات العامة الجماعية والجهوية والتشريعية.

وخلال سنة 2021، تم تغيير وتتميم شروط الاستفادة من الدعم (القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، الذي تم تغييره وتتميمه بالقانون التنظيمي رقم 07.21). في هذا الإطار، تنص المادة 32 من القانون التنظيمي المذكور على ما يلي: «تمنح الدولة للأحزاب السياسية المؤسسة بصفة قانونية، المشاركة في الانتخابات العامة التشريعية، والتي غطت على الأقل ثلث عدد الدوائر الانتخابية المحلية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب، شريطة أن تكون هذه الدوائر موزعة على الأقل على ثلاثة أرباع (3/ 4) جهات المملكة، وغطت على الأقل نصف عدد الدوائر الانتخابية الجهوية الخاصة بانتخاب أعضاء المجلس المذكور، دعما سنويا للمساهمة في تغطية مصاريف تدبيرها.

وينص القانون على استفادة الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات العامة التشريعية، التي تتوفر على الشروط، مرة واحدة كل أربع سنوات، من مبلغ مالي للمساهمة في تغطية مصاريف تنظيم مؤتمراتها الوطنية والعادية. وبخصوص مساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية في الانتخابات العامة الجماعية والجهوية والتشريعية، ويحدد المبلغ الكلي للمساهمة المشار إليها بقرار يصدره رئيس الحكومة، باقتراح من السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية والسلطة الحكومية المكلفة بالعدل والسلطة الحكومية المكلفة بالمالية بمناسبة كل انتخابات عامة جماعية أو جهوية أو تشريعية، ويراعى في توزيع مبلغ مساهمة الدولة عدد الأصوات التي يحصل عليها كل حزب على الصعيد الوطني، وعدد المقاعد التي يفوز بها كل حزب على الصعيد نفسه.

نقائص في تدبير موارد ونفقات الأحزاب السياسية

 

في إطار مواكبة مدى تحسن التدبير الإداري والمالي والمحاسبي للأحزاب السياسية، لاحظ المجلس الأعلى للحسابات استمرار النقائص المسجلة في تقريره برسم سنة 2021، المرتبطة أساسا بضعف البنيات التدبيرية والبشرية للأحزاب. وفي هذا الصدد، أظهرت نتائج فحص وتحليل الأجوبة التي توصل بها المجلس من طرف 23 حزبا، من أصل 29 حزبا تم توجيه الاستبيانات إليها، وسجل المجلس أن 43 في المائة من الأحزاب لا تقوم بإعداد ميزانية توقعية لمواردها وتكاليفها (13 حزبا)، وأن 70 في المائة  من الأحزاب لا تتوفر على مسطرة لاستخلاص الموارد غير العمومية وصرف النفقات (16 حزبا)، و39 في المائة من المستخدمين البالغ عددهم 235 مستخدما، يتوفرون على مستوى تعليم عال.

كما لاحظ المجلس في تقريره وجود تفاوت كبير ما بين الأحزاب السياسية في أعداد المستخدمين، حيث إن حزبا واحدا يتوفر على 109 مستخدمين، وحزبا آخر على 28 مستخدما، فيما تراوح عدد مستخدمي ستة أحزاب ما بين 8 إلى 14 مستخدما، وما بين مستخدم واحد إلى خمسة مستخدمين بالنسبة إلى 11 حزبا. بينما صرح حزبان بعدم توفرهما على أي مستخدم، ولم يصرح حزبان آخران بعدد مستخدميهما، فضلا عن محدودية الدورات التكوينية المنظمة لفائدة مستخدمي الأحزاب السياسية.

وبناء على ما سبق، يحث المجلس وزارة الداخلية على مواصلة المجهودات الرامية إلى حمل الأحزاب السياسية على إرجاع مبالغ الدعم غير المستحقة أو غير المستعملة أو غير المبررة إلى الخزينة، برسم مساهمة الدولة في تمويل حملاتها الانتخابية وفي تغطية مصاريف تدبيرها والمصاريف المترتبة على المهام والدراسات والأبحاث (29,21 مليون درهم)؛ وبمواكبة الأحزاب السياسية من خلال تنظيم دورات تكوينية هادفة لفائدة أطر هذه الأخيرة بغرض تيسير استعمالها للمخطط المحاسبي الموحد، وكذا إعداد دليل للمساطر المحاسبية واعتماد نظام معلوماتي للمحاسبة مشترك بين الأحزاب السياسية، يمكنها من استغلال أنجع للمخطط المحاسبي الموحد.

ومن أجل الرفع من نجاعة تدبير الدعم السنوي الإضافي وتحقيق الغايات التي منح من أجلها، يوصي المجلس رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية بملاءمة مقتضيات المرسوم المتعلق بتحديد كيفيات توزيع الدعم الممنوح للأحزاب السياسية، وطرق صرفه مع مقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، والقانون المتعلق بمدونة المحاكم المالية.

كما يدعو وزارة الداخلية إلى تدارس الصيغة الملائمة لاستكمال الدراسات والأبحاث التي تم الشروع في إنجازها من طرف الأحزاب السياسية، في إطار الدعم السنوي الإضافي لسنة 2022، دون التمكن من إتمامها، بسبب عدم كفاية المدة المتبقية لإنجازها.

ويوصي المجلس الأحزاب السياسية بالعمل على تسوية وضعيتها إزاء الخزينة من خلال إرجاع مبالغ الدعم غير المستحقة (3,73 ملايين درهم)، أو غير المستعملة، أو التي استعملت لغير الغايات التي منحت من أجلها (7,58 ملايين درهم)، أو التي لم يتم إثبات صرفها بوثائق الإثبات المطلوبة (17,90 مليون درهم).

ويحثها كذلك على دعم مواردها الذاتية ونفقاتها بوثائق إثبات قانونية ومعنونة في اسم الحزب، وفق ما هو منصوص عليه في قائمة الوثائق والمستندات المثبتة المحددة في المخطط المحاسبي الموحد للأحزاب السياسية (الملحق رقم 3)، خصوصا تلك المتعلقة بأجور وتعويضات المستخدمين ونفقات الكراء والنفقات المنجزة على مستوى التمثيليات المحلية للأحزاب، والنفقات المتعلقة بالمهام والدراسات والأبحاث المرتبطة بصرف الدعم السنوي الإضافي.

كما يوصي المجلس الأحزاب السياسية بتقديم حساباتها السنوية داخل الآجال القانونية، مصادق عليها من طرف خبير محاسبي ومدعومة بكل المستندات والوثائق القانونية، وفق ما هو منصوص عليه في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، وبمسك المحاسبة وفق مقتضيات الدليل العام للمعايير المحاسبية، مع مراعاة الملاءمات المنصوص عليها في المخطط المحاسبي الموحد للأحزاب السياسية واحترام المبادئ والقواعد المحاسبية، خصوصا مبدأي «الوضوح» و«الشمولية» وقاعدة «عدم المساس بالموازنة».

هذه الأحزاب مطالبة بإرجاع 29 مليون درهم لخزينة الدولة

 

 

أصدر المجلس الأعلى للحسابات تقريره المتعلق بتدقيق حسابات الأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم العمومي لسنة 2022 الممنوح لها للمساهمة في تغطية مصاريف تدبيرها ومصاريف تنظيم مؤتمراتها الوطنية العادية والمصاريف المترتبة على المهام والدراسات والأبحاث الممولة بالدعم الإضافي الذي تم منحه ما بين شهري شتنبر ونونبر من سنة 2022. وحسب التقرير، فقد قام 20 حزبا بإرجاع جزء من الدعم الممنوح لها إلى الخزينة بما مجموعه 27,06 مليون درهم، وذلك خلال سنتي 2022 (19 مليون درهم) و2023 (8,06 ملايين درهم، إلى حدود متم شهر دجنبر 2023)، أي ما يعادل 48 بالمئة من إجمالي مبالغ الدعم غير المبررة.

وتخص هذه المبالغ مساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية المتعلقة بالاستحقاقات الانتخابية (22,56 مليون درهم تهم 18 حزبا) ومساهمة الدولة في تغطية مصاريف التدبير (1,15 مليون درهم بالنسبة لسبعة أحزاب)، وكذا مساهمة الدولة في تغطية المصاريف المترتبة على المهام والدراسات والأبحاث (3,35 ملايين درهم بالنسبة لأربعة أحزاب).

ولم يقم 19 حزبا، إلى حدود متم شهر دجنبر 2023، بإرجاع مبالغ دعم غير مبررة قدرها 29,21 مليون درهم إلى الخزينة. وتشمل هذه المبالغ مساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية المتعلقة بالاستحقاقات الانتخابية (26,69 مليون درهم) وفي تغطية مصاريف التدبير (1,08 مليون درهم) وفي تغطية المصاريف المترتبة على الدراسات والمهام والأبحاث (1,44 مليون درهم).

وفي ما يخص مبالغ الدعم غير المرجعة من مساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية المتعلقة بالاستحقاقات الانتخابية، في اقتراع 5 أكتوبر 2021 لانتخاب أعضاء مجلس المستشارين (1,38 مليون درهم) لم تقم خمسة أحزاب بإرجاع مبلغ دعم إجمالي إلى الخزينة قدره 1,38 مليون درهم، يتوزع بين مبالغ دعم غير مستعملة تتعلق بحزب الاستقلال (980.000,00 درهم) وحزب الحركة الشعبية (270.000,00 درهم) وحزب الإصلاح والتنمية (120.111,53 درهم) وحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية (3.524,40 درهم)، ومبالغ لم يتم تبرير صرفها بوثائق الإثبات القانونية من قبل حزب جبهة القوى الديمقراطية (7.791,88 درهم).

وبخصوص اقتراع 8 شتنبر 2021 لانتخاب أعضاء مجلس النواب (1,42 مليون درهم) لم تقم ثمانية أحزاب بإرجاع مبلغ دعم إجمالي إلى الخزينة قدره 1,42 مليون درهم، يتوزع بين مبالغ دعم غير مستعملة من طرف حزب الإصلاح والتنمية (496.530,05 درهم) وحزب المجتمع الديمقراطي (386.450,33 درهم) وحزب جبهة القوى الديمقراطية (41.680,00 درهم) وحزب الاستقلال (35.181,30 درهم) وحزب البيئة والتنمية المستدامة (10.000,00 درهم) وحزب النهضة والفضيلة (9.830,72 درهم) وحزب الحركة الشعبية (9.606,40 درهم) وحزب الوحدة والديمقراطية (8.000,00 درهم)، ومبالغ لم يتم تبرير صرفها بوثائق الإثبات القانونية: حزب الحركة الشعبية (197.826,00 درهم) وحزب البيئة والتنمية المستدامة (127.900,00 درهم) وحزب الوحدة والديمقراطية (40.903,58 درهم) وحزب جبهة القوى الديمقراطية (27.114,31 درهم) وحزب المجتمع الديمقراطي (25.000,00 درهم).

وبخصوص اقتراع 8 شتنبر 2021 لانتخاب أعضاء المجالس الجماعية والجهوية (21,21 مليون درهم)، لم تقدم ثمانية أحزاب ما يثبت إرجاعها إلى الخزينة مبلغ دعم إجمالي قدره 21,21 مليون درهم، يشمل مبلغ دعم غير مستحق يهم حزب العدالة والتنمية (2.891.341,27 درهم)، ومبالغ دعم غير مستعملة تهم حزب الاستقلال (1.273.808,22 درهم) وحزب الحركة الشعبية (723.607,60 درهم) وحزب جبهة القوى الديمقراطية (65.558,00 درهم) وحزب الإصلاح والتنمية (35.247,00 درهم) وحزب الوحدة والديمقراطية (20.000,00 درهم) وحزب النهضة والفضيلة (1.279,66 درهم)، وكذلك مبالغ لم يتم تبرير صرفها بوثائق الإثبات القانونية تتعلق بحزب الاستقلال (11.875.950,00 درهم) وحزب الحركة الشعبية (4.196.040,00 درهم) وحزب الإصلاح والتنمية (61.252,60 درهم) وحزب الوحدة والديمقراطية (46.525,77 درهم) وحزب النهضة والفضيلة (12.500,00 درهم) وحزب البيئة والتنمية المستدامة (3.000,00 درهم).

أما بخصوص اقتراع 7 أكتوبر 2016 لانتخاب أعضاء مجلس النواب (1,15 مليون درهم) لم تقم ثلاثة أحزاب بتقديم ما يثبت إرجاعها إلى الخزينة مبلغ دعم إجمالي قدره 1,15 مليون درهم، يشمل مبلغ دعم غير مستعمل أو مستعمل لغير الغايات التي منح من أجلها يهم الحزب الديمقراطي الوطني بما مجموعه 290.202,00 درهم، ومبالغ لم يتم تبرير صرفها بوثائق الإثبات القانونية، ويتعلق الأمر بحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية (616.579,56 درهم) وحزب العهد الديمقراطي (240.000,00 درهم). وبشأن اقتراع 2 أكتوبر 2015 لانتخاب أعضاء مجلس المستشارين (185.076,00 درهم)، لم يقم حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية بإرجاع مبلغ دعم غير مستعمل إلى الخزينة بما قدره 185.076,00 درهم.

وبخصوص اقتراع 4 شتنبر 2015 لانتخاب أعضاء المجالس الجماعية والجهوية (1,35 مليون درهم) لم تقم ثلاثة أحزاب بإرجاع مبلغ دعم إجمالي إلى الخزينة قدره 1,35 مليون درهم، يتوزع بين مبلغ دعم غير مستحق يهم الحزب الديمقراطي الوطني (651.991,70 درهم) والحزب المغربي الحر (187.821,39 درهم)، ومبلغ دعم غير مستعمل يخص الحزب المغربي الحر بما قدره 94.495,68 درهم، ومبلغ لم يتم تبرير صرفه بوثائق الإثبات القانونية، يهم حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية (421.311,41 درهم).

وفي ما يتعلق بمبالغ الدعم غير المرجعة المتعلقة بمصاريف التدبير برسم السنوات المالية 2017 و2020 و2021 (803.724,14 درهم)، لم يقم حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية بإرجاع مبلغ دعم غير مستعمل إلى الخزينة برسم السنة المالية 2017 قدره 25.068,36 درهم، ولم يقم حزبان بإرجاع مبلغ دعم غير مستعمل إلى الخزينة برسم السنة المالية 2020 بما مجموعه 216.796,26 درهم، يتوزع بين حزب الخضر المغربي (150.761,49 درهم) وحزب الإنصاف (66.034,77 درهم).

كما لم تقم خمسة أحزاب بإرجاع مبلغ دعم غير مستعمل، برسم السنة المالية 2021، بما مجموعه 561.859,52 درهم، يتوزع ما بين حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية (311.402,61 درهم) وحزب الخضر المغربي (193.283,28 درهم) وحزب النهضة (35.366,15 درهم) وحزب المجتمع الديمقراطي (11.315,77 درهم) وحزب الوحدة والديمقراطية (10.491,71 درهم).

وسجل التقرير عدم إرجاع 273.831,00 درهم من مبالغ دعم غير مستعملة من طرف ثلاثة أحزاب برسم الدعم السنوي للتدبير لسنة 2022، حيث لم تقم ثلاثة أحزاب بإرجاع مبالغ دعم غير مستعملة، برسم السنة المالية 2022، بما مجموعه 273.831,00 درهم، ويتعلق الأمر بكل من حزب الأمل (146.428,00 درهم) والحزب المغربي الحر (114.450,77 درهم) وحزب الوسط الاجتماعي (12.952,23 درهم).

ورصد التقرير، أيضا، عدم إرجاع 1,44 مليون درهم من مبالغ دعم غير مستعملة من طرف حزبين برسم الدعم السنوي الإضافي لسنة 2022، حيث لم يقم حزبان بإرجاع مبالغ دعم غير مستعملة، بما مجموعه 1.436.743,82 درهم، تمثل حاصل الفرق بين مبالغ الدعم السنوي الإضافي الممنوح لهما برسم السنة المالية 2022 والمبالغ الملتزم باستعمالها في إطار الاتفاقيات المبرمة مع مقدمي الخدمات لتغطية مصاريف المهام والدراسات والأبحاث. ويتعلق الأمر بكل من حزب الاستقلال (1.126.585,31 درهم) وحزب الأصالة والمعاصرة (310.158,51 درهم).

ثلاثة أسئلة لبنيونس المرزوقي * :

بن يونس المرزوقي*: «يجب إقرار قانون إطار حول الدعم العمومي للأحزاب»

 

قال بن يونس المرزوقي، أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بوجدة، إن «التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات أبان عن تقدم ملموس في مراقبة الدعم الممنوح للأحزاب السياسية»، وأوضح أن «ما يدل على ذلك، أن المبالغ التي سيتم إرجاعها إلى خزينة الدولة هي في حدود 20 مليون درهم»، مضيفا أنه «حتى بالنسبة إلى الأحزاب التي أرجعت مبالغ لم تستعملها، في حين أن المبالغ الأساسية المطالبة بالإرجاع للدولة موجودة لدى الأحزاب التي ليس لها دور في الانتخابات»، مبرزا أن «ما يستنتج من هذه الأرقام، هو أن الأحزاب السياسية بدأت تنضبط أكثر فأكثر لطريقة صرف الدعم الممنوح لها، حتى لا تقع تحت طائلة هذا التقرير، الذي يفضح كل مخالفة في ما يخص التدبير المالي»، على حد تعبير المرزوقي، والذي أوضح أن «هذا الأمر إيجابي».

ومن جانب آخر، صرح المرزوقي بأن «القانون التنظيمي للأحزاب السياسية قد وضع من بين الموارد المالية للأحزاب السياسية، بالتحديد في المادة 32 منه، الدعم الذي يقدم إلى الأحزاب، والدعم الذي يقدم بمناسبة الانتخابات العامة»، مبرزا أنه «بخصوص الدعم السنوي، فهو يبقى وفق معايير تتمثل في المشاركة في الانتخابات العامة، التشريعية والمحلية والجهوية، وذلك وفق شروط أساسية، كأن يتم تقديم ترشيحات على الأقل في ثلاثة أرباع المملكة، زيادة على باقي الشروط الجغرافية، والشروط المتعلقة بتشجيع ترشيح الشباب في اللوائح المحلية»، يوضح أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية. مبينا أن «من الشروط أيضا للحصول على الدعم العمومي للأحزاب، شرط تشجيع ترشيح مغاربة العالم»، وأن هذا يتعلق بالدعم السنوي، أما «الدعم الثاني المتمثل في الدعم الموجه بمناسبة تمويل الحملات الانتخابية»، مضيفا أن «هذا الدعم يتمثل في مبلغ جزافي متساو لكل الأحزاب، ومبلغ ثان يقدم وفق معادلات تحسب على عدد الأصوات المحصل عليها وعدد المقاعد المحصل عليها أيضا»، مشيرا إلى أن «هذا الدعم الوارد في القانون التنظيمي، جاء تنفيذا للفصل السابع من الدستور، والذي أشار إلى استفادة الأحزاب من هذا الدعم، وإلى مراقبته من طرف الهيئات المختصة».

وبخصوص الشفافية في توزيع هذا الدعم ومراقبته، قال المرزوقي إنه «ينبغي وضع المراقبة المالية للدعم العمومي في إطار أشمل»، وأضاف أنه «من الأفيد أن يكون قانون إطار للدعم العمومي يكرس ما هو وارد بخصوص الأحزاب السياسية»، وأن «هذا القانون الإطار المقترح، من المرجو أن يعمم تأطير الدعم العمومي أيضا الموجه للمنظمات النقابية وهيئات  المجتمع المدني». وشدد المرزوقي على أن «صياغة قانون إطار بخصوص الدعم العمومي، ستساهم في تأطير هذا الدعم بخصوص كل الهيئات التي تتلقى دعما ماليا»، مؤكدا أنه «يمكن توسيع الفكرة لتشمل أي دعم عمومي ينبغي إخضاعه لرقابة المجلس الأعلى للحسابات أو المجالس الجهوية، حسب حالة كل هيئة والدعم الذي تتلقاه»، فيما اعتبر أن «هذا الأمر من شأنه أن يعطي تصورا واضحا لسياسة عمومية في الدعم الذي تقدمه الدولة، والذي تقدمه المؤسسات العمومية أو المقاولات العمومية في هذا السياق»، منبها إلى أن مراقبة الدعم العمومي الموجه للأحزاب والنقابات من اختصاص المجلس الأعلى للحسابات، غير أنه «يجب توسيع الاختصاص في المراقبة القبلية، خصوصا في محطات الحملات الانتخابية»، فـ«الاشتغال على تأطير الدعم العمومي في مجمله عبر قانون إطار بهذا الخصوص، سيعزز الشفافية في توزيع وصرف هذا الدعم».

*أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بكلية الحقوق- وجدة

ثلاثة أسئلة لسعيد خمري *

 

«تدبير الدعم العمومي للأحزاب يجب أن يرتبط بالبرامج ويعزز التعددية»

 

ما هي الدلالات التي يحملها التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات بخصوص تدبير الأحزاب لأموال الدعم  العمومي؟

تجب الإشارة أولا إلى أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات بخصوص الدعم العمومي للأحزاب السياسية، يدخل في إطار عمله المؤسساتي المرتبط بتتبع أوجه صرف المال العام ومراقبة المؤسسات المعنية بصرفه، وذلك استنادا على القانون، والذي يلزم  الأحزاب بمسك حسابات، ويلزمها أيضا بصرف الدعم المالي الذي تتلقاه من الدولة  في الوجه المخصص له في إطار القانون، وفي حالة ما إذا ما تم رصد خروج عن هذه القاعدة، فالأحزاب السياسية مطالبة بإرجاع الأموال التي لم تصرف في الأوجه القانونية المقررة لها، وهنا يمكن التأكيد على أن التأطير القانوني لتمويل الأحزاب  في هذا  الجانب هو أمر مهم جدا لكونه يسجل خطوة في اتجاه إقرار نوع من الحكامة والشفافية مقابل الأموال التي تتلقاها من المال العام على سبيل  الدعم، غير أن القانون لوحده لا يكفي، على اعتبار أن الموضوع يرتبط بالأساس بمدى ترسخ ثقافة الحكامة والشفافية والنزاهة المالية داخل الأحزاب، ومن هذا المنطلق يمكن القول إن هذا الأمر يدخل في  باب تمرين للأحزاب السياسية المغربية، بغض النظر عن ماهية الحزب، حيث إن هذه الأحزاب هي انعكاس لماهية المجتمع المغربي، وعليها أن تقدم صورة أفضل لهذا المجتمع الذي تمثله.

 

هل إشكالات تدبير الدعم العمومي بنيوية بالنسبة  للأحزاب؟

فعلا، فجزء من الجواب هو في السؤال  في حد ذاته، حيث إن هذه الاختلالات ترتبط أساسا ببنية الأحزاب، والبنية السياسية السائدة وأيضا بماهية الكفاءات الحزبية وقدرة هذه الأحزاب على تخليق التعامل مع هذا المال العام، وبالتالي فيمكن التأكيد على أن الأحزاب السياسية المغربية مطالبة اليوم بتطوير ثقافة المساءلة داخلها، غير أنه لا يجب تضخيم المسألة، حيث إنها لا تصل إلى مستوى الحديث عن ظاهرة ما أو شيء من هذا القبل، بل يجب الوقوف عند الاختلالات المرصودة ومعالجتها من أجل تجويد هذا التمويل وطرق صرفه بالوجه السليم، وعموما لا يمكن أن نكون هنا إزاء تبرير لهذه الأحزاب، ولكن في تقديري كما أشرت يبقى هذا الأمر بمثابة تمرين للأحزاب وعلى اعتبار أن هذا الدعم ليس بالأمر القديم، والأحزاب كبنية مجتمعية فشأنها كشأن باقي البنيات الجمعيات والنقابات والمقاولات، وإن كانت تعتبر واجهة المجتمع وأساس البناء الديمقراطي، لذلك يكون الضوء مسلطا عليها بشكل أكبر، وأي اختلال في هذه البنية هو اختلال أيضا في هذا الأساس، ولذلك وجب العمل بالأساس على معالجة الأخطاء المرتكبة في تدبير هذا الدعم العمومي، وأن يكون التدبير المالي في الأحزاب تدبيرا حكماتيا.

 

هل المنهجية المتبعة في صرف الدعم العمومي للأحزاب أبانت عن فشلها ووجب تغييرها؟

لا يجب أن يقتصر الأمر في ما يخص هذا الموضوع على المقاربة القانونية فقط. فإن كان القانون مهما وضروريا فهو غير كاف، ولا يجب أن ينصب الاهتمام على عدم المساس بالقانون فقط في صرف هذا الدعم العمومي من قبل الأحزاب، بمعنى التركيز على الجانب الشكلاني، أي اعتبار أن الوضع المالي للحزب سليم في حال عدم تسجيل أي اختلال شكلي  في صرف هذا الدعم، وهذا لا يمكن القول من خلاله إن هذا الحزب يقوم بدوره على أكمل وجه، بمعنى أن مالية الأحزاب والدعم الذي تتلقاه من طرف الدولة يجب أن يصرف وفق خطط وبرامج تستهدف الجانب التأطيري ووفق الغاية التي تم على أساسها عمل هذه الأحزاب وهي أدوار التأطير والتكوين والتنشئة السياسية والاجتماعية، ولعب  الأحزاب لدور الوساطة الاجتماعية، كما أن هذا الدعم يجب أن يذهب  في منحى تعزيز التعددية الحزبية والسياسية، ويجب أن يكون الهدف هو أن يصرف في اتجاه دعم البناء الديمقراطي وتعزيز أدوار الأحزاب في ما يخص التمثيل والتأطير، وهذا ما كانت قد ركزت عليه أحد الخطب الملكية الأخيرة التي دعت إلى انفتاح الأحزاب على الكفاءات والطاقات فيما يخص التكوين ودعم قدراتها، وهنا نتساءل هل تم صرف الأموال التي تلقتها الأحزاب في هذا الخصوص، حيث لم نسجل انفتاح أي من الأحزاب على المراكز البحثية والأكاديمية، إلا  في حالات استثنائية وهي نادرة وتكاد تكون محتشمة.

*أستاذ القانون العام بكلية الحقوق المحمدية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى